ثورات المستقبل الثلاثة... مراجعة "رؤى مستقبلية"، ميتشو كاكو


«قال أينشتاين ذات مرة: لا ترينا الطبيعة من الأسد سوى ذيله، ولكني لا أشك مطلقًا في أن أسدًا وراء هذا الذيل، حتى لو لم يتمكن بسبب حجمه الضخم من إظهار نفسه ولو مرة واحدة.
وقد عني أينشتاين بذنب الأسد الكون كما ندركه، أما الأسد فهو نظرية المجال الموحد»


كتاب رائع آخر من كتب «ميتشو كاكو» الفيزيائي وعالم الفيزياء النظرية الأمريكي ذو الأصل الياباني.
الكتب القديمة مثل هذا الكتاب (نشر عام ١٩٩٨) بالرغم من أنها ربما تبدو للوهلة الأولى غير مفيدة، لكن الحقيقة أن هناك مظهر من مظاهر الروعة في كتب المستقبليات القديمة. فعندما تقرأ تنبؤات المستقبل من وجهة نظر قديمة نوعًا ما، وترى انبهار الكاتب باختراعات المستقبل وتطوراته، ثم ترى أنك تعايش ولو جزءًا من تلك التطورات، تشعر برهبة من قدرة العلم على تحقيق التنبؤات، هي تجربة شاعرية أكثر منها علمية. قابلت نفس التجربة في كتاب «بين الأرض والقمر» لأسيموف، وهو يتحدث بشغف كبير حول صعود الإنسان على القمر، قبل أن يصعد البشر فعلا على القمر.

رؤى مستقبلية، كتاب يتحدث عن التطور العلمي المتوقع في ثلاث مجالات وهي الثورة البيوجزيئية، وثورة الكمبيوتر، وثورة الكوانتم. وذلك خلال القرن الحادي والعشرين على وجه الخصوص، وبالتالي لا تزال أكثر توقعاته لم تتحقق بعد.
يبدأ «كاكو» بثورة الكمبيوتر ومفاهيم أساسية عنها مثل قانون مور الذي يقول أن قدرة الكمبيوتر تتضاعف كل ١٨ شهر مرة. ويقول معلومة غريبة جدًا وهي أن قدرة الكمبيوتر ازدادت من عام ١٩٥٠ حتى عام ١٩٩٨ ب ١٠ بليون مرة!!
ويتناول موضوع الذكاء الاصطناعي وما يتعلق به من أفكار وتطورات محتملة. وكما عادة ميتشو كاكو، فهو يتناول الموضوع من كل جوانبه، فيشرح العقل ونقل الإشارات فيه واستهلاكه للطاقة، فهو ما نحاول محاكاته بعد كل شيء.
ويتناول أيضا موضوع كمبيوترات ال DNA، والتي تستغل قدرة ال DNA على التخزين، ومميزاتها وعيوبها.
وبال DNA يبدأ الجزء الثالث من الكتاب، وهو الثورة الثانية: الثورة البيوجزيئية. وربما يكون أساسها القدرة على إصلاح الجينات، مما سيمكن من التخلص من أمراض مستعصية ربما يكون من بينها السرطان، وكذلك يتحدث عن الاستنساخ والجوانب البيولوجية والأخلاقية للموضوع.
وينهي كتابه بأكثر الأجزاء إمتاعًا –من وجهة نظري- وهو الجزء الخاص بثورة الكوانتم والذي تحدث فيه عن عدة تطورات فيزيائية محتملة، ربما ينجم عنها مستقبلًا طرقًا للسفر عبر الفضاء للنجوم البعيدة واكتشاف حضارات أخرى.

مقتطف من الكتاب بعنوان "هل يمكن استنساخ أينشتاين؟"


الكتاب كما رأيته
سأذكر لكم خواطري حول الكتاب في نقاط:

1. كما أقول دائمًا في مراجعاتي لكتب "ميتشو كاكو"، الرجل لديه قدرة جميلة جدًا على الإحاطة بالموضوع من جوانب متعددة، تخرج الموضوع من رتابة التخصص إلى سعة ترابط التخصصات والاستمتاع بقراءة جوانب متعددة للموضوع. مثلا عندما تحدث عن الأمراض الجينية، تحدث عن جوانب تاريخية هامة للموضوع، وكيف أن هناك ثورات قامت في أوروبا وبلدان كاملة تغيرت بسبب أعطاب في جينات الأسرة الحاكمة.

وفي السياق البيولوجي الأخلاقي أيضًا، ذكر أنه في عام 1927 أعطي تحسين النسل شرعية قانونية عندما أقرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بشرعية عملية التعقيم، وكتب القاضي أوليفر هولمز "بدلا من الانتظار للاقتصاص من مولود منحل بسبب ارتكابه جريمة، أو تركه يجوع بسبب العجز، من الأفضل للعالم كله أن يمنع غير الصالحين من البقاء بشكل واضح من الاستمرار في التناسل". وكان هذا قبل النازية التي قتلت وشردت الآلاف بطرق بشعة.

2. ربما تخصص ميتشو كاكو الفيزيائي هو ما جعل آخر جزء هو أكثر الأجزاء إثارة وإمتاعًا. 

3. الترجمة جيدة جدًا، سعد الدين خرفان أصبح وكيلا حصريًا لترجمة مؤلفات ميتشو كاكو. ترجم له رؤى مستقبلية، وفيزياء المستحيل، ومستقبل العقل. أو هذه الكتب التي أعرف أنه ترجمها. ولكن سلسلة عالم المعرفة تصر على أن ميتشو كاكو حاصل على جائزة نوبل وهو ما لم يحدث! في كل الكتب التي ترجموها للرجل كتبوا تلك المعلومة.



تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر