الطاعون الذي فتك بالحضارة.. مراجعة لرواية «الطاعون القرمزي»، جاك لندن


«هذا كل ما في الأمر، فقاعة وعبارة.. كل هؤلاء الرجال الذين كانوا يكدحون على الأرض ما هم إلا فقاعات! استأنس الإنسان الحيوانات، وأباد الشرسة منها، وأزال الشرسة منها... ثم ذهب عصره، وعادت الحياة البدائية من جديد، فأزاحت عمل يديه بعيدًا، فاحتلت الغابات والحشائش حقوله، واجتاحت الوحوش جماعاته».

في القرن الرابع عشر، وتحديدًا بين عامي ١٣٤٧ و١٣٥٢ اجتاح الموت الأسود، الطاعون، دول أوروبا ففتك بها ومزقها كل ممزق، وتركها بثلثي عدد سكانها! وانتشر في أماكن أخرى من العالم أيضًا.
تخيل معي لو كان هذا الطاعون عالميًا، ولو لم يترك من البشرية إلا شراذم.. في كل بلد مائة أو ألف ما الذي سيحدث حينها؟ وما هو مصير الحضارة الإنسانية التي بدأ الإنسان في تشييدها منذ آلاف السنوات؟
في رواية الطاعون القرمزي (منشورة عام ١٩١٢)، للكاتب الأمريكي جاك لندن، يحاول أن يستقصى تلك الاحتمالية المخيفة.
قصتنا تنتمي لأدب الخيال العلمي الديستوبي، أو ما يسمونها في مواضع أخرى «أدب ما بعد المحرقة». وتقع أحداثها في عام ٢٠٧٣، بعد حوالي ستين عامًا من اجتياح طاعون قضى على معظم البشر، وكسح الحضارة البشرية. حيث يحكي رجل عجوز كان في يوم من الأيام أستاذًا، لبعض الأطفال الصغار شكل الحياة والحضارة قبل الطاعون.

ربما أراد لندن توضيح بعض النقاط من روايته الصغيرة:
أولا: ضعف الحضارة وهشاشة الإنسان مهما بلغ تقدمه، فنحن ضعفاء أمام أحقر المخلوقات وأصغرها.
ثانيًا: ارتداد الإنسان وتجرده من الحضارة وقت الكوارث، فكل تلك الحضارة ما هي إلا قشرة بنيناها وغطينا بها أصولنا الحيوانية التي تظهر وقت الكروب.
وهذا يحيلنا إلى كاتب آخر شممت رائحته في تلك الرواية، وهو هربرت جورج ويلز في روايته العظيمة (حرب العوالم). وتناوله لموضوع الارتداد الحضاري وقت الكوارث. وكان الفاصل الزمني بين الروايتين حوالي ١٥ عامًا.
هشاشة الحضارة وضعفها، والارتداد الحضاري سيعبر عنهم لندن في أكثر من مشهد يصدمك فيها بأولاد لا يعرفون ما هي الأرقام، بل ويتندرون على العجوز الذي يحكي لهم كم كان البشر متقدمون!

رواية صغيرة جيدة جدًا (تقييم ٣.٥ من ٥).
الناشر: منشورات ويلز، ٢٠١٧
ترجمة: وسام الدين محمد


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر