رسالة من النجم فيجا.. مراجعة "اتصال"، كارل ساجان


«مع اكتمال كل دورة جديدة، تحكي لك الأرض قصة مختلفة. يمكنك رؤية ثوران بركاني في جزيرة كامتشاتكا، أو عاصفة صحراوية تقترب من البرازيل.. تجد نفسك مجبرًا على التفكير في الأرض كوحدة عضوية.. ككائن حي. تبدأ في القلق بشأنها، في الرغبة في الاعتناء بها. من هذا الارتفاع، الحدود لا يصير لها وجود... الحدود تعسفية، الكوكب هو الشيء الوحيد الحقيقي».

تستقبل التلسكوبات الراديوية العملاقة حول العالم أطنان من البيانات والإشارات، من النجوم النابضة إلى المجرات البعيدة وآلاف المصادر الراديوية المنتشرة في الكون... ومن ضمن آلاف المصادر تلك (في روايتنا الجميلة اتصال) أتت الرسالة التي لن يكون حال الأرض قبلها كما هو بعدها. رسالة من النجم فيجا على بعد ٢٥ سنة ضوئية من الأرض، وهو خامس ألمع النجوم في السماء (وألمع نجم في كوكبة القيثارة).
ملحوظة علمية: التلسكوبات الراديوية، تكون عبارة عن أطباق عملاقة تستقبل موجات الراديو التي تصل إلينا من مصادر في الفضاء، ثم يقوم العلماء بتحليل هذه الموجات لمعرفة معلومات عن مصدرها.
جاءت الرسالة وجاءت معها الجدالات والمناورات والمفاوضات بين دول العالم.
وتستمر الأحداث وتتصاعد، لنرى ما الذي سيفعله البشر تجاه تلك الرسالة الغريبة، وكيف سيتصرفون تجاه ذلك الموقف الذي وضعوا فيه لأول مرة في تاريخهم!
ربما تكون رواية اتصال لا تريد منا أن ننظر إلى الاتصال بحد ذاته.. أن ننظر إلى الفضائيين أو إلى كنههم أو إلى التكنولوجيا التي يتمتعون بها، بل إلى ذواتنا.. إلى البشر.. كيف سيؤثر مثل ذلك الاكتشاف الكبير على نظرتنا لأنفسنا وعلى اقتصادياتنا واجتماعياتنا وديننا!

مؤلف الرواية "كارل ساجان" هو واحد من أعظم العلماء الذين قدموا العلم للعامة، قرأت له قبل ذلك كتابي "الأرض نقطة زرقاء باهتة"، وكتاب الكون"، الذي تحول لعرض تليفزيوني قدمه هو شخصيًا في الثمانيات في القرن الماضي، وأعادت ناشيونال جيوجرافيك إنتاجه من سنوات قليلة وقدمه "نيل ديجراس تايسون".
ورواية "اتصال" نشرت عام 1985.

وأفضّل عندما أتحدث هنا أن أقسم الحديث لمحاور أساسية:
أولًا: تناول كارل ساجان للتدين الحرفي الأصولي، وكيفية استغلال النصوص المقدسة والتفسيرات الحرفية لها في نصب العداء للعلم، ونشر ذلك العداء بين العامة، وربما تكون تلك من أكثر النقاط التي ركز عليها من خلال شخصيات متعددة تتضاد في توجهاتها الدينية ومن خلال ما يشبه المناظرات بينها.
ثانيًا: من يقرأ لكارل ساجان عمومًا (وهذه ثالث قراءة لي لكتب ساجان كما أسلفت). يستشف رومانسية طاغية عندما يتحدث عن الأرض وساكنيها. تلك النقطة الزرقاء الباهتة التي تحملنا جميعًا. يرى أن الحدود تعسفية، ويرى أن من يصعد للفضاء ويرى الأرض كنقطة صغيرة تتبدل أو تتزعزع على الأقل لديه مفاهيم القومية والانتماء إلى فئة صغيرة من البشر، بدلا من الانتماء إلى الأرض كلية.

«الدول التي أسست رحلات الفضاء قد فعلت ذلك بدرجة كبيرة لأسباب وطنية، لذلك فهي مفارقة أن جميع من سافروا إلى الفضاء تقريبًا اعترتهم رجفة من تلك اللمحة المذهلة للمنظور العالمي العابر للحدود الدولية».

ثالثًا: العلم واستخدام العلم في الرواية وفي خدمة أحداثها كان رائعًا. يذكرني ساجان في غزارة المعلومات في الرواية بالعبقري الآخر، كاتب الخيال العلمي الأمريكي، مايكل كرايتون صاحب «الحديقة الجوراسية».

يتبقى أن نقول أن الفيلم كالعادة بخس حق الرواية، وسطحها جدًا وهو ما اعتدنا عليه غالبًا، ربما لأن جمهور الفيلم غير جمهور الرواية. وهذا يشمل عرض الأفكار وحتى الأحداث نفسها كانت أقل في الفيلم، بل أن النهاية في الفيلم جاء بعدها أحداثًا هامة في الرواية.
وختامًا، اتصال رواية عبقرية عظيمة، لم أعرف كيف لم أقرأها حتى الآن وأنا من أدعي اهتمامًا بالخيال العلمي.


تعليقات

  1. مراجعاتك رائعة جدا محتواها واسلوبك في العرض..

    ردحذف

إرسال تعليق

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟