أول روبوت.. مراجعة مسرحية الخيال العلمي "إنسان روسوم الآلي"


صار كل شيء مرتعًا بغيضًا وجنونيًا للملذات.. لم يعد أحد يرفع يده إلى الطعام، فهم يطعمونهم في أفواههم مباشرة؛ حتى لا يضطروا إلى الوقوف.. ها ها .. روبوتات دومين تتكفل بكل شيء.

في عام ١٩٢٠ نشر كارل تشابك مسرحيته الجميلة «إنسان روسوم الآلي»، وهي المسرحية التي تكشف عن عمق كبير لدى تشابك فيما يخص الآلات وتأثير وجودها
من نواح عدة، اجتماعية واقتصادية وحتى دينية. روبما ترى أن الأفكار الموجودة في المسرحية معتادة نوعًا ما، لكن تذكر جيدًا أنها كُتبت قبل مائة عام تقريبًا.. قبل كتابات أسيموف، وقبل توقعات هوكينج وأطنان من أفلام الخيال العلمي التي تناولت موضوع الروبوتات، ومثلها من الروايات.
ويبقى أن نقول أنّ كلمة روبوت قيلت لأوّل مرة في هذه المسرحية، للدلالة على تلك الآلات التي تساعد البشر، والتي ترجمت بعد ذلك إلى «الإنسان الآلي» و «روبوت» كلمة مشتقة من اللغة التشيكية، وتعني «العامل المجبر على العمل».
أما «كارل تشابك»، فهو كاتب مسرحي تشيكي (١٨٩٠- ١٩٣٨)، رُشح لجائزة نوبل، ويعتبر من أشهر الكتاب التشيكيين.

مصنع روسوم
تبدأ المسرحية بحديث عن قصة مصنع روسوم الموجود على جزيرة، والذي ينتج الآلاف من الروبوتات لتوزع حول العالم للقيام بمهام متعددة، حتى المصنع نفسه أغلبية عمّاله روبوتات، ونعرف في البداية أيضًا عن روسوم العالم العجوز الذي بدأت تجاربُه عن الأحياء تلك الأحداث التي تلقفها ابن أخيه روسوم الشاب، وطورها ثم بدأ الإنتاج الصناعي.
ينطلق تشابك من هذه البداية والخلفية التاريخية، لتتصاعد الأحداث رويدًا رويدًا، ومن خلال الأحداث يبين لنا روسوم الآثار السلبية والإيجابية لوجود تلك الروبوتات.. والتأثير العميق الذي ستسببه على كل الاتجاهات، خصوصًا اقتصاديًا.
لكن هل تسير الخطط كما هو مخطط لها؟ وهل سيكون الروبوتات مصدر عون دائم للبشر، وهو الغرض الذي اختُرعوا من أجله؟
تحدث تشابك عن بعض القضايا الفلسفية التي ترتبط بتواجد الروبوتات في قصص الخيال العلمي، منها مثلا الحرية، والروح والألم وقيمة العمل.
هو كذلك لم يهمل الجانب الديني في مسرحيته من خلال شخصية متدينة رأت أن تلك الاختراعات إنما هي كفر وإلحاد ومحاولات بائسة لتقليد خلق الله.

لقد دفعكم غرور شيطاني إلى التجرؤ، وخلق بشر كأنكم آلهة، إنّه إلحاد وكفر بالله.

وتعرض للنقاش الأزلي... من الملام من الاستخدام السيء للعلم والتكنولوجيا؟ هل العلم ذاته نقمة أم أن البشر من يجعله كذلك؟ وهل السلامة في عدم السعي للتطوير؟ 
تذكر أن كل هذا كان في عام ١٩٢٠، قبل القنبلة النووية وقبل الأسلحة التي يكفي منها واحدة لإبادة مدن كاملة.
انتقد كذلك الإنسان... الكائن الذي يسعى دومًا للسيطرة من خلال أي وسيلة كانت، وهو السبب الذي أدى لانفجار الوضع، كما سنرى في ذورة تصاعد أحداث المسرحية، وانتقد العنصرية انتقادًا غير مباشر من خلال الإسقاط على الروبوتات.

لا يمكن لأحد أن يكره الإنسان أكثر من الإنسان نفس.. اجعلي الأحجار بشرًا وسيرجموننا.

«إنسان روسوم الآلي» لا جرم أن تعد من أفضل مسرحيات الخيال العلمي.. مسرحية صغيرة.. خفيفة في القراءة، ثقيلة فيما تحمله من أفكار ومناقشات.


الكتاب: مسرحية إنسان روسوم الآلي
المؤلف: كارل تشابك
المترجم: خالد البلتاجي
الناشر: منشورات ويلز،2017


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر