إنها خلودنا.. مراجعة "المكتبة في الليل"، ألبرتو مانجويل


الكتب هي أفضل ما نملك في الحياة، إنّها خلودنا.
فارلام شلاموف، مكتباتي

في عام ١٩٤٣ وفي معسكر من معسكرات الاعتقال التي أقامها هتلر لليهود، كان هناك مبنى برقم ٣١، وكان هذا المبنى مخصصًا للأطفال.
كان هناك خمسمائة طفل، أقاموا مكتبة سرية، تحتوي على ثمانية كتب من بينها كتاب «مختصر تاريخ العالم»، لهربرت جورج ويلز.
وقبل أن نُكمل، يجب أن نعرف أن النازيين أصلا كانوا يحرقون كتب ويلز، وغيرها من الكتب التي يُشتبه أن تكون مضادة لفكرهم.. وأقيمت بالفعل أكثر من محرقة للكتب. وهذا لمن يخص الأحرار، فما بالك بالسجناء.
ولو عدنا لأطفالنا في المعسكر، سنجد أنهم كانوا يعهدون بالكتب إضافة للمقتنيات الثمينة، كفتات الخبز، لأكبر الفتيات عمرًا.
ليس هذا فحسب، بل كان هناك مجموعة ممن تحفظ كتبًا تتلوا هذه الكتب على مسامع الأطفال، عُرفت هذه المناوبة بـ "تبادل الكتب في المكتبة".
يقول ألبرتو مانجويل في كتاب «المكتبة في الليل»:
من المستحيل تقريبًا التخيّل أنّه في تلك الظروف الكابوسية التي كان يفرضها النازيون، كانت الحياة الفكرية قادرة على التواصل... كان هناك تواصلًا للروتين العادي للقراءة. في مثل هذا الوضع الذي لا يطاق. يواصل الرجال والنساء القراءة عن جان فالجان، وتولستوي، ويناقشون مزايا مؤلف معاصر.

غدت القراءة، كما يقول مانجويل، فعلا من أفعال المقاومة، كما كتب الطبيب أندريا ريفوتو: «كل شيء كان يمكن أن يُعامل كفعل مقاومة، لأنّ كل شيء كان محظورًا».
«المكتبة في الليل» هو قصيدة حب كبيرة، وغزل عفيف في الكتب والمكتبات، حب على جميع المستويات، هو حسيّ ، فهو عشق للكتب وأوراقها، وكلماتها. وهو عشق روحي، فهو ارتباط بالكتاب، وبأشخاص الكتاب، وعصور الكتاب.
مانجويل، ذلك الرجل الذي أمضى نصف قرن يجمع الكتب، يتجول بنا في أروقة عشقه للكتب والمكتبات، يناقش تفاصيل غريبة لا يلحظها إلا متيم بالقراءة والكتب.
فهو يرى مثلا أن الكتب التي تكون في الرفوف العليا من المكتبة، وحتى تلك الموجودة في الصفوف السفلى تحظى باهتمام أقل من تلك الموجودة في المنتصف.
هو أيضًا يمضى بنا في بحر تاريخ للمكتبات، من أشهر مكتبات العالم القديم مكتبة الإسكندرية إلى المكتبات الحديثة، التي أحرقت لسبب غير مُتفق عليه حتى الآن، وفي نفس السياق يفند رواية حرق عمر ابن العاص للمكتبة المهولة. فهي عنده رواية "محرفة".
حتى عن سؤال كيف ترتَّب المكتبات وتُنظّم؟ أفرد مانجويل لذلك فصلا كاملا، وهو يغوص بنا في أعمق أعماق التصنيف، وفي مجهودات جبارة في ذلك الترتيب على مر العصور. وحتى في الطرق الطريفة أو الغريبة لترتيب الكتب.
أما عن القراءة الإلكترونية، فمانجويل منحاز للقراءة الورقية كما أغلب القراء، هو يرى أن القراءة نشاط أكثر من مجرد تقليب النظر في الكلمات والتفكير فيها وفي مدلولاتها ومعانيها، فالسير بين الرفوف والإحساي بملمس الورق، وتقليب الصفحات في حد ذاته يمثل جزءًا من أجزاء نشاط القراءة.

بالمناسبة، قرأتُ مقالًا علميا يتحدث عن أن القراءة الورقية فعلا أكثر إفادة لأسباب قريبة جدًا من أسباب مانجويل، شاهد الفيديو:

فاستبدال القراءة الورقية بالإلكترونية ، كاستبدال السفر بدليل رحلات مصور.
القراءة والكتب، في الظروف العصيبة، في المعتقلات وتحت نيران الحروب، في التاريخ وفي الجغرافيا، وفي المعرفة وفي الفن.. لن تجد أكثر من مانجويل شغفا في الحديث عن كل ذلك..

في النهاية أسأل:
ما هذا الشغف يا مانجويل؟
لقد أحببتُ القراءة من سنوات، قرأت عشرات الكتب، وهويت أشكال المكتبات، لكن مع مانجويل شعرت بتفاهة حبي، أنا لم أكن أحبها، لقد كنت أغازلها، أما هو فهائم في أنوار عشقها.
كتاب رائع من رجل رائع، أنصح به بشدة. لولا بعض الأخطاء الإملائية البسيطة في الترجمة، ولكن على كل حال، أنت على موعد مع كتاب يستحق كل ثانية تقضيها في قراءته.


الكتاب: المكتبة في الليل
المؤلف: ألبرتو مانجويل
المترجم: عباس المفرجي
الناشر: منشورات دار المدى، 2012


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟