أنفاس هيروشيما الحارقة.. مراجعة مسرحية "خيانة أينشتاين"، إيريك إ. سميث


لستُ على مايرام يا صديقي. كانت الأرقام دائمًا كثيرة في دماغي، لكن الآن هي أكثر: أعداد ضحاياي. مئات الآلاف... وهذه الأرقام تختلف عن الأخرى، تفوح منها رائحة الجثث المتحللة... هل ستشعر بها؟ إنها أنفاس هيروشيما... أنفاس هيروشيما تجوب الأرض... تصلني أيضًا، تلامس كتفي وتوقظني لأرى العدم.

في عام 1939 يوجه أينشتاين رسالة إلى روزفلت يخبره أن النازيين يحاولون أن يملكوا سلاحًا نوويًا، ولابد أن تتخذ الولايات المتحدة موقفًا بمحاولة لصنع القنبلة النووية ليستطيعوا تهديد الألمان فلا يستخدمها هتلر.
أغلبنا يعرف ما حدث لاحقًا ، بدأ مشـروع مانهاتن في أمريكا، وصنعت الولايات المتحدة القنبلة النووية، وأسقطتها على هيروشيما وناكازاكي، في واحد من أكثر الأعمال إجرامية ودموية في التاريخ.
هذه الحادثة أثّرت على أينشتاين تأثيرًا سلبيًا، وظل ضميره يؤنبه بها مدى الحياة، على الرغم من كونه لم يُرد أن تلقيها الولايات المتحدة على أولئك المدنيين الأبرياء. بل كان يريد فقط تهديد ألمانيا النازية. وبعد التفجيرات قال أن القنبلة النووية يجب أن تُنزع من الولايات المتحدة ويُعهد بها إلى قوة دولية مثل الأمم المتحدة.
في هذه المسـرحية "خيانة أينشتاين"، يعرض الكاتب "إيريك إيمانويل سميث" لوجهة نظر أينشتاين، ومأساته الكبيرة في فترة حرجة جدًا تمتد من الثلاثينيات إلى الأربعينيات، وهي الفترة التي أرسل فيها رسالته، والتي صنعت فيها أمريكا القنبلة النووية والتي حدث فيها الإلقاء المشؤوم على المدينتين، وبالطبع تقع أحداث المسـرحية في أمريكا، في مدينة برنستون تحديدًا حيث كان أينشتاين يقيم.
ويأتي ذلك العرض ضمن حوارات لأينشتاين مع متـشرد وجده بالصدفة، وصادقه على مدار تلك السنوات، فدارت بينهما مناقشات حول العلماء والسياسيين والحروب، خصوصًا وأنّ هذا المتشرد فقد ابنه في الحرب العالمية الأولى.
أينشتاين يمقت الحرب مقتًا شديدًا، يرفض العنف بوجه عام، وكل ما يرتبط به. وبسبب مواقفه تلك أخضعه الإف بي آي إلى مراقبة صارمة، وهو ما سيظهر في المسـرحية عن طريق المحقق "أونيل" الذي سيمثل النظرة العسكرية الأمنيه المضادة لنظرة أينشتاين، تلك النظرة العنصرية (التي مقتها أينشتاين أيضًا) التي تعتبر مئات الآلاف من الشعوب الأخرى لا تزن شيئًا... هم فقط أرقام. وربما بسبب كل ذلك تم استبعاده أيضًا من مشروع مانهاتن.

أينشتاين: الوطنـية مرض طفولي، جديري الإنسانية.

وأينشتاين إنساني، لا يعترف بالحدود، بل يعترف بالإنسان، وربما هذا هو الذي جعله يلوم نفسه على قتلى القنبلة النووية، ويجلد نفسه التي دفعته لكتابة ذلك الخطاب إلى روزفلت، والذي سمّاه في المسـرحية "خيانتي"، فقد اعتبره أينشتاين خيانة للمباديء التي تبناها دائمًا حول عدم سعيه للعنف أو تبريره.

أينشتاين: عندما تمعن النظر في السماء، هل تلاحظ الحدود؟ هل تعتبر جوازات السفر ومراكز الجمارك وألوان البشر ذات قيمة تذكر؟
المتشرد: في الواقع أنت المتشرد، وبلا جذور، بلا هوية، الغريب من كل مكان، الإنسان.

المسـرحية في جزء كبير منها تناقش بشكل ما المسؤولية الأخلاقية للعلماء، سواء في حوارات مباشرة أو بين ثنايا المواقف. ومن وجهة نظري كان أكثر الأشياء تعبيرًا عن إبراز تلك القضية، الحيرة الشـديدة والتخبط النفسي الذي عاشه أينشتاين قبل وبعد إرساله للرسالة. فهو يؤكد على مبادئه الرافضة للعنف، ثم ينحيها جانبًا –كما يقول- بل ويخونها كي يوقف هتلر عند حده. وهو أيضًا يبرر لنفسه فعلته بأنه لم يكن يقصد أن يموت مئات الآلاف، ومع ذلك يجلد نفسه كما قلنا.
ومن خلال تلك المواقف والاضطرابات يطرح الكاتب سؤالًا ضمنيًا: "ما الذي يجب أن يفعله العالم في تلك الحالة؟ هل يكبح نفسه ولا يشارك في مجهود لصنع سلاح ما ربما يردع العدو ويجعله يتوقف عن القتل؟ أم يشارك بعلمه في تلك الصناعة، مع احتمال كبير أن تتسبب في القتل والدمار والتشريد كما كانت القنابل النووية؟"

أينشتاين: لا.. لم أخترع القنبلة النووية ولم ألهمها. لم تكن معادلاتي تقصد الكارثة. كانت أبحاثي نظرية فقط، نظريات خالصة.

مسرحية جميلة، معبرة، تنتقل بنا إلى جانب نفسي مهم من حياة عالم كبير، فالعلماء أولًا وأخيرًا بشرٌ، تفعل بهم الحياة كما تفعل مع غيرهم.


الكتاب: مسرحية خيانة أينشتاين
المؤلف: إيريك إ. سميث
المترجم: سعيد بوكرامي
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، 2016، 176 صفحة


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر