عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر


لقد صنعنا الآلة لكي تنفذ إرادتنا، لكننا لا نملك أن ندفعها لتنفيذها الآن.. والآن تجبرنا على عبادتها.. إن الآلة تتطور و لكن ليس وفق مخططاتنا..تواصل مسيرها لكن ليس نحو هدفنا.. نحن موجودون فقط ككريات دم تسري في شرايينها، وإذا كانت قادرة على العمل بدوننا، فسوف تتركنا نموت.

ربما من يقرأ قصة «الآلة تتوقف»، في الوقت الذي نعيشه الآن، لا يشعر أن العالم الموجود فيها بعيد بشكل مستحيل أن يتحقق في وقت ما، خصوصًا مع كمية الآلات والأدوات التي نشبت مخالبها في نمط حياتنا، ومواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت تسيطر على أصغر تفاصيل حياتنا ومزاجنا.
أما في زمن كتابة القصة نفسها، وهو عام ١٩٠٩، فلا أعتقد أن القاريء ساعتها سيعتد بها كتنبؤ مستقبلي معتبر.. وهنا تكمن جمالية الرواية التي استطاعت أن تخترق عشرات السنوات، لتبدو أحداثها أقرب وأقرب من التحقق.

الآلة والمستقبل
تتحدث القصة عن عالم مستقبلي تحكمه آلة صنعها البشر من الأساس كي تسهل عليهم جوانب حياتهم.. وفي ذلك العالم صار الأفراد منعزلين عن بعضهم في غرف خاصة لهم تحت الأرض، وتزودهم الآلة بكل احتباجاتهم، وكل ما يمكن تبادله مع بعضهم هو الأفكار.
لكن كما في عادة هذه الروايات الديستوبية، سيظهر من يمقت ذلك العالم الميكانيكي الجامد، هو الإنساني الذي يريد الإنسانية.. ظهر هنا كنا ظهر من قبل في رواية «السيد من حقل السبانخ»، لصبري موسى، وكما ظهر في «عالم جديد شجاع»، لألدوس هكسلي، وكما ظهر في «1984»، لجورج أرويل.. كلهم يريدون العودة للفطرة، لإنسانية الإنسان المتكاملة مع الطبيعة بكل مكوناتها. تلك الطبيعة التي ننسحب منها يومًا بعد يوم للأسف.
الرواية لا تحتوي إلا على شخصين رئيسين.. الولد وأمه، وحوار وجدال كبير بينهما حول الآلة، وما تعنيه للأم التي تقدسها، والابن الذي يمقتها، وفي ثنايا الحوار ستتعرى لنا نفسية الإنسان الخانع الراضي المحتقر للطبيعة والتمرد والذي يحاول أن يمنطق أفكاره ويصبغ عليها صبغة التحضر والتمدن ازدراءًا للتفكير الذي يدعو للعودة للطبيعة مرة أخرى.
يبقى أن نذكر أن الآلة تنبأت بشكل ما بالإنترنت والتليفزيون قبل فترة طويلة من وجود الاختراعين.

رواية صغيرة جدًا (٩٢ صفحة)، لكنها جميلة وممتعة، وليس هناك ملاحظات على الترجمة الجيدة جدًا.

ختاما، هذا رابط تحميل الرواية باللغة الإنجليزية.

القصة: الآلة تتوقف
المؤلف: إ. م. فورستر
المترجم: محمود راضي
الناشر: منشورات ويلز،2017


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟