ضيوف من الزمن الغابر.. مراجعة رواية "الحديقة الجوراسية"، مايكل كرايتون


دائمًا ما يصرح العلماء أنهم قد لا يعرفون كل شيء في الوقت الحاضر، لكنهم بالتأكيد سيكتشفونه في نهاية الأمر! نحن نعرف الآن أن هذا غير حقيقي... إنه تباه خال من الحكمة، تباهٍ أحمق ومضلل، كطفل يقفز من نافذة غرفته لاعتقاده أنه يستطيع الطيران.

ربما لا يسع شخص مهووس بالديناصورات -وأنا أعرف بعضهم- ألا يكون قد قرأ الحديقة الجوراسية Jurassic Park، أو شاهد الأفلام التي اقتبست عنها.. وبالمناسبة، مترجم هذه الرواية «نادر أسامة»، هو واحد من أولئك المجاذيب... مجاذيب الديناصورات. وهم يشتركون مع كثير من الأطفال في ذلك. فانقراض تلك المخلوقات الهائلة من ملايين السنين (٦٥ مليون سنة)، يضفي عليها لمحة أسطورية عجائبية، تجعل اسم الديناصورات نفسه اسما يحمل نوعًا من أنواع الإثارة، فضلا عن مشاهدة رسومات توضيحية لها.
إذن، نحن مع رابع رواية أقرؤها لمايكل كرايتون، بعد «كونغو»، «سلالة أندروميدا»، Sphere، ثم روايتنا الحديقة الجوراسية. وهي الرواية التي استنزفت كرايتون واستغرقت كتاباتها منه ثمان سنوات، وكتبها أكثر من مرة!

إعادة الإحياء
الرواية تحكي عن علماء استطاعوا إعادة تخليق الديناصورات من DNA، لواحدة من تلك المخلوقات الهائلة. وذلك على جزيرة في كوستاريكا.

العلم، والديناصورات، والمغامرة
أستطيع أن أقول أن قوام الرواية الأساسي قائم على ثلاثة محاور:

المحور الأوّل: العلم
والعلم هنا يتخذ أبعادًا ليست موجودة في أي رواية خيال علمي عادية، فالعلم مُستخدم في بناء الرواية نفسها بكثافة شديدة جدًا كما يشتهر كرايتون في العموم، فهو يستخدم تفاصيل علمية مبهرة تضيف الكثير لروح القصة، بل ويذكر المراجع العلمية التي اعتمد عليها في نهاية كل رواية.
هناك ميزة كبيرة من مميزات كرايتون في استخدامه الكثيف للنظريات العلمية، فهو لا يذكر النظرية فحسب، ولا يضعها في سياق استخدام الأبطال للعلوم فحسب، لكنه يستخدم فلسفة النظرية ذاتها في رسائله.. هو لم يذكر فحسب نظرية الفوضى مثلا وتأثيرها على «الحديقة الجوراسية» على الجزيرة، لكنه استخدمها استخدام أعمق أيضًا لنقد العلم (آثرت ألا أذكر تفاصيل في هذه النقطة حتى أتجنب حرق أحداث الرواية، لكن تلك النقطة كان لابد من ذكرها في رأيي).
الوجه الآخر لاستخدام العلم في الرواية هو نقد العلم ومساءلته، فالرواية تعتبر صرخة مكتومة في وجه التهور في استخدام العلم، ويتضح ذلك في كثير من الحوارات الصريحة التي تنتقد التهور العلمي.. وكذلك بشكل ضمني خلال أحداث القصة.

المحور الثاني: الديناصورات
وهي موضوع الرواية الأساسي، ولكن كرايتون استطاع أن يتحدث عن الديناصورات حديثًا لابد أن يستفز القاريء عاطفيًا قبل أن يستفزه علميًا.. حاول أن يلمس الجزء الطفولي من شخصية القراء ولو لم يكن لهم اهتمام كبير بالديناصورات مثلي. فضلا عن الحديث العلمي الممتع حول الديناصورات وعادات الديناصورات وأشكالها وحتى الجهود العلمية التي تمت في القرن ونصف الماضي حول اكتشاف حفريات الديناصورات.

المحور الثالث: المغامرة
استطاع كرايتون أيضًا أن يقلل بقدر المستطاع من الأجزاء التي لا يود القارئ فيها معرفة الحدث القادم، فقد تلاحقت الأحداث تلاحقًا مثيرًا، يحافظ على انتباه القاريء في أغلب أجزاء الرواية.

الشخصيات
تنوعت الشخصيات تنوعًا مُلاحظًا، وربما قصد كرايتون ألا يغيب الأطفال عن الأحداث ليحاول إبراز الجانب الطفولي المزروع فينا نحو تلك المخلوقات كما بينا في بداية المراجعة، فهو قد كتب في البداية الرواية كاملة من وجهة نظر أطفال، ولكنه عندما عرضه على أصدقاءه، فلم يرضوا عن مستواها. ووجود الأطفال هنا هو بقايا رغبته في وجود انفعالات طفولية في الرواية.

في النهاية، أستطيع القول أن كرايتون أبدع في هذه الرواية  بصفته روائي وباحث وطفل مشاكس.

الكتاب: الحديقة الجوراسية
الكاتب: مايكل كرايتون
ترجمة: نادر أسامة
الناشر: دار أكتب، ٢٠١٥
عدد الصفحات: ٤٥٥


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر