كن شريرًا.. مراجعة كتاب «ملف جوجل»، تورستن فريكه ، أولريش نوفاك


«جوجل في كل مكان.. جوجل تتسلل إلى خصوصياتنا.. جوجل تحدد قواعد المسيرة الاقتصادية، وتؤثر في العلوم والمنجزات العلمية. جوجل أيضًا تحدد الأجندة السياسية... جوجل قوة عظمى. إن تاريخ البشرية ام يشهد مطلقًا مؤسسة تمارس بمفردها الفاعلية والتأثير اللذان تمارسهما جوجل، بلا رقابة أو محاسبة».
من سنوات مضت، قامت جوجل بتركيب كاميرات على سيارات طافت في شوارع العالم لتصوير تلك الشوارع والمباني التي تحتويها بغية استخدامها لخدمة جوجل ستريت فيو Street View وساعتها استاء بعض المواطنين الذين لم يريدو أن تظهر منازلهم على الخدمة.
إلا أن المستور اتضح بعد حين، وهو أن شركة جوجل كانوا قد أضافوا لتلك السيارات أجهزة تسمح لها بالتعرف على الشبكات المحلية WLAN وجمعت جوجل على مدار عامين كل ما تستطيع تجميعه من بيانات من شبكات العالم، وخزنت العناوين ومفاتيح الأمان SSID والإيميلات والدخول على صفحات الويب وكلمات السر الخاصة بالمواطنين الذين لم يعلموا شيئًا عن كل ذلك.
عندما انكشف المستور، اعترفت جوجل بتجميع تلك البيانات، ولكنها قالت أن هناك خطأ أصاب البرمجيات الخاصة بها!
طبعا لم ينطلي هذا التبرير السخيف على أحد، فاعترفت جوجل أن الموضوع كان مقصودًا، ولكنه كان جريمة شخص واحد فقط هو من قام بتلك الفعلة!
وياللعجب، لم تسرح الموظف المسؤول عن تطوير برمجية التجسس، بل سرحت شخصًا آخر ضبط وهو يقرأ رسائل إلكترونية تبادلها مراهقون.
لا تكن شرّيرا (Don't be evil) ، كان هذا شعار جوجل في بداياتها، والذي اتضح بعد مرور ما يقارب عشرين عامًا على إنشاء جوجل، أن جوجل تفعل عكسه بالضبط. فقد اتضح أن جشع جوجل للبيانات (بترول العصر) لا يحده حد.
هل حقًا جوجل ليست شريرة؟
كتاب ملف جوجل هو من وجهة نظر كاتبيه، كشف لزيف شعارات جوجل التي استخدمتها طوال السنوات، وكيف أن جوجل ما هي إلا شركة مُحتكرة، تتحايل على القوانين، وتسير السوق بما يوافق مصلحتها، وتفعل من أجل ذلك المشين، من تجسس وتحكم في نتائج على أصعدة سياسية، وعلمية واقتصادية.
والكتاب قام بتأليفه مؤلفان ألمانيان هما (تورستن فريكة)، (أولريش نوفاك)، في عام ٢٠١٥، وترجمة لسلسلة عالم المعرفة عدنان عباس علي، وهو الكتاب رقم ٤٥٠ في السلسلة.
الكتاب ينقسم إلى تسعة فصول، ولكن من وجهة نظري، أستطيع أن أقسمه لقسمين رأيسيين غير ملتزمًا بترتيب الفصول أو محتوى كل فصل وتداخله مع الفصول الأخرى، والقسمان هما:
قسم يتحدث عن تاريخ شركة جوجل نفسها، المؤسسَين بيج وبرين ونشأتهم وتاريخ تطور الفكرة، والعقبات المالية وأصل تسمية الشركة وغيرها من الأمور التاريخية، والتي سينطلق منها المؤلفان لما هو تالي.
فجوجل، هو رقم ضخم .. واحد وأمامه مائة صفر، وهو الاسم الذي اتخذته الشركة الوليدة لنفسها، والذي تحاول أن تبين الشركة من خلاله قدرتها على تنظيم هذا العدد الهائل من صفحات الويب.
القسم الثاني وهو هدف الكتاب الأساسي، والجزء الأكثر خطورة، ويوضح تأثير جوجل المهول على العالم واقتصاده وسياساته من خلال طرق لا تتوافق مع ما يقوله مسؤلو الشركة العملاقة.

إذًا كيف يشكل هذا العملاق خطرًا كبيرًا على خصوصيتنا وأمننا وحتى اختباراتنا السياسية؟
وأحب أن أنوه أن التقسيم التالي ليس موجودًا في الكتاب بشكله، ولكني رأيت أن أنظم المعلومات فيه، بحيث يبرز الجوانب بوضوح..

أولا: جوجل تقيد الحريات
في الصين، لكي تحصل جوجل على رخصة العمل هناك، قدمت تنازلات كبيرة جدًا للنظام الحاكم.. مصطلحات من شأن ظهورها أن يحرج النظام ألغتها جوجل من أن تظهر في نتائج البحث، كما حجبت مطالبات تايوان من فهرس محرك البحث.

ثانيًا: جوجل لا تلتزم بالشفافية
جوجل لا تصرح بأرقام استيعاب محرك البحث الخاص بها، بل تعلن أرقام مزيفة، ويوضح الكاتب من خلال بعض الحسابات البسيطة زيف الأرقام التي تعلنها جوجل. وربما تفعل جوجل ذلك لتضليل الشركات المنافسة.



ثالثا: جمع أكبر قدر من البيانات عن المستخدمين، بمعرفتهم أو بدون معرفتهم.
وذلك بغرض استخدام تلك البيانات في الإعلانات التي تُعرض على المستخدم. فجوجل تعرف أين يسكن مستخدمو محركها، وما يفرحهم، ومن جيرانهم، والأمراض التي تستحوذ على تفكيرهم.
وتحت نفس العنوان، ارتكبت جوجل جريمة أطلق عليها لاحقًا فضيحة صور جوجل ستريت، التي تحدثنا عنها في بداية المراجعة.
كذلك تصل جوجل لإيميلاتنا وتستخرج منها البيانات التي تستخدمها لاحقًا، وبررت جوجل ذلك أن البيانات التي تُستخرج تستخرج بشكل آلي لا دخل للبشر فيه!

رابعًا: جوجل تؤثر على الناخبين!
تعرف جوجل الحالات التي يكون فيها مرشحان متقاربان في نسب الفوز في الانتخابات، وتختار المرشح الذي سيلبي تطلعات جوجل أكثر من غيره، ثم تعرض على الشخص الذي يبحث على محركها الضخم الأخبار التي تعزز من فرص فوز مرشحها، ولا تُعرض تلك النتائج اعتباطيًا، بل بناء على ميول الشخص نفسه..
لو افترضنا مثلا شخص يكره المهاجرين لبلده، وجوجل تدعم مرشح اسمه س، فإنها تعرض عليه نتائج بحث يكون فيها س غير مرحب بالمهاجرين مثلا.
وهناك تجارب نفسية تثبت فعلا أن نتائج البحث بتلك الطريقة تؤتي أوكلها لتجعل شخص محتار بين مرشحين يختار مرشحًا معينا.
فترتيب الأخبار لا يعرف أحد المعيار الذي تتخذه جوجل لفعله، فهو قرار انفرادي، وبتكتم شديد.

خامسًا: جوجل تحتكر السوق
وتتسبب في إفلاس شركات، والاستحواذ على أخرى بطرق كثيرة، فقد استحوذت جوجل إلى غاية أكتوبر ٢٠١٤ على أكثر من ١٧٠ شركة. لتجعل نفسها ملكة السوق وعملاق الويب الذي لا يجرؤ أحد على منافسته. وتسبب هذا في أن ترفع على جوجل قضايا ضد احتكارها، لكن في غالب الأمر كانت القضايا تمر إما بتعويض بسيط للمتضررين أو لا تعويض على الإطلاق.

سادسا: الضرائب والتحايل على قوانين الضرائب، لدفع مبالغ ضئيلة جدًا من أرباح مهولة.

سابعًا: التجسس
فقد نشرت وثائق عدة (في الجارديان والجزيرة والبي بي سي) تثبت تورط جوجل في أنشطة تجسسية مع وكالة الأمن القومي، فتستطيع وكالة الأمن القومي الاطلاع على البيانات التي جمعتها جوجل عن المستخدمين.




الحقيقة مع أنني كنت أعرف مسبقا بعض المعلومات حول استخدام جوجل للبيانات، إلا أن الكتاب كان صادمًا جدًا..
الأساليب التي تستخدمها جوجل لفعل ذلك.. ومدى تغلغل جوجل في حياتنا ومعرفتها عن تفاصيل حيواتنا وتجسسها علينا... عملاق ينشب مخالبه في حياتنا يوما بعد يوم... ذلك الوجه القبيح لجوجل وجه مرعب جدًا، ونحن لا نعلم ما الذي لم يُكشف بعد..
وطبيعي جدًا أن يقفز في ذهني السؤال.. ماذا نفعل؟ لقد أصبحت خدمات جوجل ومنتجاتها تحاصرنا... البريد الإلكتروني والبحث والأندرويد بتطبيقاته لتحديد المواقع والشوارع، واليوتيوب والإعلانات وعشرات الخدمات... هل يمكن أن نستغني عن كل ذلك بسهولة؟ ولأي جهة سنذهب؟ وما الذي يجعلنا نثق في البديل؟
عالم اليوم عالم مخيف فعلا..
كتاب جميل، ومختصر وصادم جدًا.. ولن تستمتعوا بقراءته ولكن سترغبون في ذلك..

عدد الصفحات: ٣٣٠
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون، سلسلة عالم المعرفة
المؤلف: تورستن فريكه ، أولريش نوفاك
ترجمة: عدنان عباس


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر