مجنون ليلى... مراجعة رائعة شوقي المسرحية


لمّا قرأتُ هذي المسرحية الشعرية، أحسستُ أن شوقي لا يبذل أي جهد في كتابة الشعر، مخه مثل الماكينة التي تحول القطن إلى قماش، فأفكاره تخرج على هيئة شعر من تلقاء نفسها.
ومشاعره تلون الأقمشة بشتى الألوان، بداية من الأبيض الباعث على الطمأنينة، مرورا بالأحمر الصاخب الساخن، والأخضر اليانع، والرمادي الهاديء، وصولا للأسود القاتم، ملك أحزان الألوان.
أجل يا أمير عرفت الهوى ** فهلّا عطفت على أهله؟
أعتقد أنني لم أقرأ لشوقي بتمعن إلا قصيدة «اختلاف النهار والليل ينسي... أذكرا لي الصبا وأيام أنسي» لأنها كانت ضمن منهج الثانوية العامّة في مصر بلادنا. ولأنّها قصيدة واحدة، لم تكن لتبين أو توضح تلك العقلية الشعرية العاطفية الصاخبة التي نسميها شوقي.
أمير الشعراء أسموه، ومن سوى الأمير يستحق أن يكون أميرًا. 
في مسرحيتنا هذه، يروي شوقي بمئات الأبيات قصة حب تردد صداها في الآفاق، فاخترقت الزمان والمكان. هناك في العصر الأموي، وبين نجد والحجاز نشأ الحبيبان وترعرعا، وكتب قيس شعره الذي كان سببًا في عدم موافقة والد ليلى على زواجهما، إذ كانت العادات تقضي بأن لا يتزوج من صرح بحبه بمثل طريقة قيس بالتي يحبها. 
تفرق الحبيبان حتى ماتت ليلى كمدًا ومات بعدها قيس بعد أن هام على وجهه في الصحراء، بعد أن جُنّ وأضحى يسمع صوت ليلى. 
يقول شوقي على لسان قيس، في أعظم مشاهد المسرحية، عندما كان قيس واقف على قبر ليلى: 
أعــيني هذا مكان البكاء ** وهذا مســيلك يا ادمعي
هنا جسم ليلى هنا رسمها ** هنا رمقي في الثرى المودع
هنا فم ليلى الزكيّ الضحوك ** يكاد وراء البلى يلمع
هنا سحر جَفن عفاه التراب ** وكان الرُّقى فيه لا ينفع
هنا الحادثات، هنا الأمل الحـ ** ـلو ياليل والامل الممتع
طريد المقادير هل من يجير ** ك منها سوى الموت او يمنع؟
تذل الحياة لسلطانها ** وللموت سلطانها يخضع
طريد الحياة الا تستقر ** الا تستريح الا تهجع؟؟
بلى قد بلغت الى مفزع ** وهذا التراب هو المفزع 
كان هناك ميزة كبيرة في هذه الطبعة من المسرحية (طبعة مكتبة مصر)، ألا وهي وجود فصل تحليلي في آخر المسرحية، يوضح الظروف المحيطة بالمسرحية، ويبرز تفاصيل كانت بين سطور المسرحية، من حيث البيئة التي حدثت فيها الأحداث، وعادات الخلق في تلك الفترة الزمنية. كذلك التأثيرات السياسية والدينية، الخلاف السني الشيعي تحديدا، وكيف أثرت في الأبيات، وغير ذلك من توضيحات تساهم في فهم أوضح للمسرحية الرائعة.


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟