أساس العلم... مراجعة كتاب "مفهوم المنهج العلمي"، د. يمنى طريف الخولي


إن للمنهج العلمي مدى يمتد من العالم إلى الإنسان المتوسط، ومن الميكانك الموجية إلى الأحداث المبتذلة في الحياة اليومية، فليس هناك مجالان: مجال العلم ومجال الحياة.
جين فوراستيه
المنهج العلمي بشكله الأولي لازم الإنسان من عصور سحيقة، حينما كان أسلافنا يحاولون التنسيق ببن أفعالهم البصرية وحركات أيديهم، وهو النشاط العلمي التجريبي لإنتاج أدوات تساعده على حياته اليومية مثل البلطة وغيرها من الأدوات.

في كتاب «مفهوم المنهج العلمي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ٢٠١٥، تحاول د. يمنى طريف الخولي (صاحبة كتاب "فلسفة العلم في القرن العشرين") أن تُجمل لنا النظرة التي تطورت للمنهج العلمي، في جوانب تاريخية وفلسفية وعلمية تساعدنا على فهم أشمل لموضوع المنهج العلمي.
فالمنهج العلمي هو نمط من التفكير لا يخص العلماء وحدهم، بل يخص كل بشري يقوم بعمل ما، فيستخدم طريقة ما للوصول لغرضه.
في البداية تتعرض المؤلفة للعلم والفن والأسطورة، والمنهج العلمي الذي ميز العلم عن الخرافة. فحتى لو ثبت خطأ النظرية العلمية، فالمنهج العلمي ملزم بمحاولة التصحيح، بعكس الخرافة التي ربما تتأصل أكثر وأكثر برأي عقدي.
والمنهج العلمي يرى أن الفرض يسبق التجربة، ولكن الوصول للفرض نفسه عملية غير قياسية، ليست ذات خطوات محددة معروفة، ربما نسميه إلهامًا أو عبقرية علمية أو... أو ....
ثم يأتي الجزء ربما الأكثر أهمية في الكتاب، وهو تعريف المنهج العلمي. ما هو؟؟
فتفرق الكاتبة هنا بين مفهوم المنهج العلمي قديما وحديثا في ثلاث مفاهيم، تتدرج من الفلسفة القديمة حتى المفهوم المعمول به حاليا من أواسط القرن التاسع عشر، وهو:
المباديء التي نجردها من الممارسات العلمية للأفراد الذين عملوا بنجاح في عملية اكتساب المعرفة العلمية.

ويمر بنا الكتاب على عجالة بالتراث الإسلامي الفقهي الذي استفاد وأفاد المنهج العلمي من خلال توظيف آليات المنطق الإغريقي.
ثم تحاول المؤلفة الإجابة على سؤال مفاده: هل هو منهج واحد لكل العلوم؟ أم هناك مناهج متعددة؟
تحاول ذلك عن طريق المقارنة بين العلوم المختلفة، الرياضيات والفيزياء والأحياء والعلوم الاجتماعية والإنسانية... وأنماط التفكير الاستنباطية والاستقرائية المرتبطة بها. وبخصوص الاستقراء تتعرض لأكبر مشكلة واجهت فلسفة العلوم وهي مشكلة الاستقراء العنيدة التي تهدد مفهوم التجريب وجدواه، والتي أطلق شرارتها (حديثا) ديفيد هيوم. 
فهل هي تعميمات لا عقلانية في حين أن العلم هو نجيب العقل الأثير؟
ولما كان المنهج العلمي متأصلًا في العقل البشري من بدايات وجوده، فقد لازم بأشكال مختلفة الحضارات التي اهتمت بالعلم، والتي أضافت له واستفادت من استخدامه
فسردت لنا المؤلفة تاريخ المنهج العلمي وتطوره عبرات الحضارات، بداية بعصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالحضارات الشرقية مثل البابلية والآشورية والفرعونية التي اهتمت كثيرًا بالتطبيق العملي. ثم الحضارة الإغريقية التي اهتمت بالجانب النظري واحتقرت العمل التجريبي اليدوي، ثم كانت الحضارة الإسلامية التي دمجت بين الميزتين، فقد استحدث ابن الهيثم مثلا التجريب المسترشد بالرياضيات ليصل لنتائجه العظيمة.
ثم كانت النهضة الأوروبية، والتي اختصت د. يمنى منها فرانسيس بيكون، لما له من تأثير كبير في تطور وإعلاء شأن التجريب، وتخليص التفكير من أوهامه الأربعة التي ذكرها في كتابه "الأورجانون الجديد". وحتى سلبيات بيكون ومعارضته لاكتشاف كوبرنيكوس الذي قال بمركزية الشمس قائلًا أنها فرض أهوج. ولم يقدر اكتشافات نيوتن وكبلر حق تقديرها.
تأتي بعد ذلك الفلسفة الحديثة متمثلة في توماس كون الذي لفت الأنظار إلى أن العلم لابد أن يُنظر له في إطار نموذج إرشادي شامل لكل الأبعاد المجتمعية والسياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع في ذلك الوقت.
أما فيرابند فقد رأى أن استخدام المنهج العلمي يقوض العلم ويكبله، فالعلم مشروع فوضوي لا سلطوي.
ثم النسوية... وضرورة الاستفادة من الطريقة النسوية التي يلعب فيها الشعور دورًا كبيرًا، وبذلك يتخلص العلم من جفافه.
وتختم د. يمنى بالمعوقات التي تكبل استخدام المنهج العلمي في بلادنا، مثل النظرة الترفية للعلم، أو الاهتمام بالجوانب التطبيقية به دون النظر إلى الجوانب البحتة.

ملحوظاتي على الكتاب:
أولا: هذه النظرة الشعوبية أو العمومية (إن صح التعبير) للمنهج العلمي، ركّز عليها من قبل د. فؤاد زكريا في كتابه الأشهر «التفكير العلمي» (يمكنك أن تقرأ نظرتي عن الكتاب من هنا). وهو كتاب أنصح بشدة بقرائته.
ثانيًا: لو أردت التوسع أكثر في فلسفة فيرابند، يمكنك قراءة كتاب «التمييز بين العلم واللاعلم» مراجعتي من هنا، لتعرف الظروف العامة التي نشأت فيها فلسفته.
ثالثًا: الكتاب سهل جدًا، وصغير (٢٢٠ صفحة، مع أنه كان يُمكن أن يُختصر لأكثر من ذلك) ولا يتطلب خلفية معرفية كبيرة في هذا الموضوع. و د. يمنى عمومًا أسلوبها جيد.


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟