الصدام الكبير... مراجعة كتاب "في الشعر الجاهلي"، طه حسين


«في الشعر الجاهلي».. قرأت عن الكتاب وعن الجدل الكبير الذي سببه في كتاب د. محمد عمارة «طه حسين.. من الانبهار بالغرب للانتصار للإسلام». حيث هالني كمية النقد عن طريق عدد كبير من الكتب التي صدرت للرد عليه، هذا بخلاف المقالات، والقضايا التي رُفعت على الكاتب، والتكفير وغيرها، فاشتريت الكتاب من معرض الكتاب السابق -يناير ٢٠١٧- لأحاول أن أواجه بنفسي ما قاله الرجل.

يرى طه حسين في الكتاب أن أغلب ما نُطلق عليه شعرًا جاهليًا إنما هو منحول ومكذوب. والكتاب كله للتدليل على وجهة نظره تلك.
فيبدأ أولا بمحاولة للتدليل على رأيه هذا من القرآن، ويقول أن صلة العرب بالأمم الأخرى كالفرس والروم واضحة في القرآن، مثل رحلة الشتاء والصيف، وحتى بالحبشة، وبالتالي هو يرى أن أي شعر جاهلي لابد أن يكون قد تأثر بالأمم التي يتواصل معها العرب. وهو ما لم يكن متواجدًا بالشكل المتوقع فيما نسميه شعرًا جاهليًا.
ثم بعد ذلك يتجه للغة واللهجة، فيقول أن العرب ينقسمون لقسمين: قحطانية وهم من أهل اليمن، وعدنانية وهم من أهل الحجاز. القسم الأول هم عرب بالفطرة، أما الثاني فقد اكتسبوا العربية اكتسابًا، بعد أن كانوا يتحدثون لغة أخرى كالكلدانية أو العبرانية.ومنهم إسماعيل ابن ٱبراهيم أوّل من تحدث العربية من المستعربة.
ولو كان الشعر الذي يُنسب للقحطانية جاهليًا بالفعل لاختلفت لغته اختلافًا كليًا عما نراه الآن، وذلك لأن هناك العديد من البحوث التي تُثبت الاختلاف بين قسمي العرب في لغتهم.
وفي هذا الفصل بالذات يرى طه حسين في سياق بحثه أن إبراهيم وإسماعيل لم يكونا موجودين، وإنما أدت ظروف اقتصادية وسياسية ودينية لقبول قريش "لأسطورة" بناء الكعبة بواسطتهما. وربما تكون هذه النقطة واحدة من أكثر النقاط التي أثارت جدلًا وسخطًا على طه حسين وعلى كتابه.
ويدلل -في نفس السياق- بالقرآن نفسه على ما قال، فالقرآن قد تنوّعت قراءاته، تبعًا لتنوع القبائل التي اتخذت لهجات مختلفة عن لهجة قريش التي أنزل فيها القرآن. فهل يستقم ألا يكون الشعر غير متغير مع اختلاف اللهجات ذلك؟
ومن نافلة القول أن أذكر هنا ما قاله د. عبدالمنعم تليمة في مقدمته لطبعة مكتبة الأسرة من أن طه حسين كان قد اعتمد في نظرته للسلالات العربية على فروض وضعها علماء القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وكان في هذه الفروض القليل من العلم والكثير من التصورات والمرويات القديمة.
وأيضًا يقول أن فكرة اختلاف اللغات العربية إنما كانت بعيدًا جدًا في التاريخ. ولكن فترة ما قبل الإسلام لم يكن هناك لغتين عربيتين كما قال طه حسين.
وعلّق أيضًا د.كرياكو نيكولاو ذبتراغاس في افتتاحيته لنفس النسخة أن عدم ذكر طه حسين لمصادره في هوامش الكتاب قد أضعف قيمة المعلومات في الكتاب.
ويضع طه حسين بين أيدينا بعد ذلك الأسباب التي يراها في النهاية أدت إلى انتحال الشعر، ما بين أسباب دينية وأسباب سياسية وغيرها.
حتى الرواة نفسهم، كان منهم من يأجر نفسه للقبائل يجمع لكل واحدة منها شعرًا يضيفه لشعرائها الجاهليين شعرًا لم يكتبوه.
ثم ينهي الكتاب بشعراء معينين يوضح من خلالهم الانتحال الذي حدث على شعرهم من خلال بعض الحوادث التي تثبت أن ما يضاف لهم من شعر ليس شعرهم، وأيضًا من خلال تحليل لبنية النص الشعري نفسه من حيث جودته وركاته.

رأيي في الكتاب: في نقاط سوف أُجمل خواطري حول الكتاب:

أولا: النقطة التي لا أفهمها جيدًا أن الكاتب سلّم في بداية الكتاب بصحة القرآن، وجاء بعد ذلك وشكك في وجود إبراهيم وإسماعيل من بعده. في أي سياق يضع ذكر القرآن لنبيين غير موجودين؟

ثانيا: ولكي أكون أمينًا، لابد أن أذكر أن طه حسين كان قد تراجع عن الكثير من آراءه في ذلك الكتاب، وأحيلكم إلى كتاب د. محمد عمارة «طه حسين من الانبهار بالغرب للانتصار للإسلام»، فقد وضح التغيير الكبير في رأي طه حسين مع مرور الوقت، وأترككم مع جزء من مراجعتي للكتاب السالف ذكره:
رحلة غريبة جدا تبدأ من العلمانية (فالرسول عنده إنما هو صاحب رسالة روحية بحته ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالسياسة)، والتطاول على مقدسات الإسلام في كتاب الشعر الجاهلي (1926): والسخرية من نسب الرسول صلى الله عليه وسلم، وحيل وأساطير إبراهيم وإسماعيل!، والانبهار بالحضارة الغربية، والادعاء بأن مفكري التاريخ كلهم غربيون، فهم قادة الفكر وناصية الحضارة في العالم (في كتاب قادة الفكر 1925).. 
ثم يبدأ ذلك التحول التدريجي لفكر الرجل، حتى يصل به الحال إلى الوقوف في لجنة كتابة الدستور 1953 ضد محاولات إقصاء القرآن وأحكامه، والدفاع باستماتة عن حاكمية القرآن الكريم على غيره، ووقوفه ضد محاولات التنصير. وضد الباطنية، ومعاركه الشرسة ضد البهائية.. ثم تخليه من آراءه السابقة بشأن فصل الإسلام عن السياسة (فيقول أن الإسلام قد بنى دولة خالدة)، بل ودفاعه عن محمد ابن عبدالوهاب، لأن دعوته -كما يقول: "هي الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من كل شوائب".





ثالثًا: في بعض أجزاء الكتاب أطال الكاتب كثيرًا، لتوضيح وجهة نظر لم تكن تحتاج لذلك الطول، والتي ربما أراد بها الكاتب إظهار شيئًا آخر ربما ود أن يقوله بطريقة غير مباشرة.
مثال: في ذكره لأسباب انتخال الشعر ذكر السبب الديني، ثم أخذ يذكر أمثلة عديدة للعصبية بين الصحابة بعضهم البعض... بين أهل مكة وأهل المدينة مثلا، ولم يأل جهدًا في ذكر مواقف حدثت بين الصحابة يظلم بعضهم بعضًا وهكذا.. ولا أدري ما الذي أراده بالضبط عندما أمعن في ذكر هذه المواقف.

رابعًا: يلاحظ أن طه حسين كرر جملة «باب الاجتهاد في الفقه أغلق» أكثر من مرة، ربما يحاول أعطاء الكتاب موضوعًا أوسع وأعم من موضوع الشعر الجاهلي، وهو الدعوة بشكل عام إلى تحريك المياه الراكده، واستخدام منهج الشك الذي يتبناه في جوانب فكرية كثيرة، وهو ما نجح فيه الكاتب في رأيي. فبغض النظر عن صحة أو عدم صحة ما جاء في الكتاب، فقد سبب صدمة فكرية ومعرفية ربما غيرت كثيرًا من فكر الكتاب والمفكرين في مواجهة الأفكار الراسخة وأكسبتهم شجاعة في مواجهتها.

خامسًا: أثني هنا على نسخة مكتبة الأسرة التي وضعت في نهاية الكتاب ملحقًا كبيرًا يوضح ظروف نشر الكتاب بداية من خروجه من المطبعة يوم ٣ أبريل عام ١٩٢٦، وعرضه للبيع بعشرين قرشًا، وتنويه الجرائد عنه، إلى المعارك الرهيبة التي تمت بين فريقين، أحدهما يؤيد طه حسين على الأقل في المنهج الذي اتخذه، والآخر من المشايخ ومفكري الأزهر الذين وجدوا أن طه حسين خرج عن الإسلام بسبب بعض النقاط التي أشرنا إليها سابقًا. وحتى وصول الأمر للقضاء، والبرلمان. وغيرها من الظروف التي تلت صدور الكتاب.

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟