فيرما ونظريته الأخيرة... مراجعة رواية "النظرية الأخيرة، آرثر كلارك وفريدرك بول



كتب محامي فرنسي في القرن السابع عشر على حاشية كتاب يقول:
اكتشفت برهانًا رائعًا حقًا لهذه الفرضية، لكن الهامش لا يتسع.
كان المحامي هو بيير دو فيرما، ولم ير أحد برهانه حتى الآن لهذه المسألة الشهيرة ( التي سنلقي عليها الضوء بعد قليل).
ومن وقتها إلى الآن لم يتوصل أي رياضي لحل مقبول من جميع الرياضيين حول هذه المسألة. إلى أن أتى «رانجيت» بطل روايتنا الذي توصل لخل هذه المسألة في برهان من ثلاث صفحات، أثبت صحة نظرية فيرما التي لم يكتب برهانها. ثم تبدأ بعد ذلك أحداث رواية «النظرية الأخيرة» في التصاعد.

غلاف النسخة الإنجليزية التي صدرت في بريطانيا عام ٢٠٠٨
استخدم كلارك كثافة التفاصيل العلمية كعادته في رواياته، فقد كانت هناك معلومات تاريخية ورياضية عن نظرية فيرما الأخيرة، وعن كواكب المجموعة الشمسية وظروف الحياة فيها، وعن المركبات التي أرسلها البشر لفضاء المجموعة الشمسية.
وكان هناك أيضًا الكثير حول التشفير وطرقه وتاريخه. ومصاعد الفضاء المستقبلية وسفن الفضاء وسباقات تجري بينها كنوع من أنواع الألعاب الأوليمبية. و بالشراع الشمسي الذي سيُستخدم في السفن الفضائية مُستقبلًا، عن طريق استغلال الضغط الناشيء عن ضوء الشمس في تسيير السفن الفضائية. واستخدمت تلك الأشرعة (في الرواية) في سباقات للسفن الفضائية.
واستخدم كلارك إسقاطات على البشر خلال تحذير مستقبلي من عدة أحداث جسام تنتج مثلا عن تآكل طبقة الأوزون.
وسخر المؤلفان من الأوضاع السياسية في العالم، والصراعات، حتى العربية منها مثل الصراع السني الشيعي في العراق تحديدًا إذ أن الرواية كُتبت بعد الغزو الأمريكي للعراق الذي كان سببًا رئيسيًا لتفجر الأزمة. كذلك انتقاد سياسة كوريا الشمالية.
ربما الشيء الواضح جدًا هو متابعة البطل للأحداث السياسية متابعة يقصد منها المؤلفان توضيح حدثًا تاليًا.

واتضحت بعض الأبعاد الدينية في الرواية في نقطتين رئيسيتين وهما: ديانة البطل نفسه ووجهة نظره في الدبن بوجه عام، والنقطة الأبرز والأعمق بخصوص الدين ظهرت في أواخر الرواية في حدث (لا أريد أن أحرقه) وتبين نفسية البشر في التعلق بالأمور الروحية والغيبية، وأن الإنسان يبحث عن شيء -أي شي- يؤمن به، ويستمر في وضع روابط دينية بين أي سياق ودينه واعتقاده.
إذ بات مشغولًا تمامًا بفهم الغموض الذي يكتنف المعادلة أ(تربيع) + ب(تربيع)= ج(تربيع)، والمفارقة التي تقول أنه حال تكعيب هذه القيم لن يتساوى طرفا المعادلة أبدًا.




لا أكذب عليكم، الرواية في بدايتها كانت مثيرة ومحمسة جدًا، لكن مع الدخول في تفاصيل الأحداث وجدت تركيزًا من الكتّاب على أحداث جانبيه لا تهم، ولا تؤثر في مجرى الأحداث، مما قلل من الإثارة كثيرًا.
وعلى الرغم من عدم وجود أحداث مثيرة كثيرة، فقد أكملت الرواية وكنتُ مستمتعًا بذلك، ولا أعرف كيف. وربما تكون هذه أوّل مرة أقرأ رواية باستمتاع مع أنني لا أرى فيها أي أحداث مثيرة أو مشوقة!

في خاتمة الرواية وضح فريدريك بول بعض النقاط في رحلة كتابة تلك الرواية، أذكرها لكم في نقاط:
١- كلارك اشتد عليه المرض قبل الانتهاء من كتابة الرواية وكانت ملاحظاته عليها مقتضبة بعد تكملة بول لها، مما قد يوضح بعض الضعف في الرواية، فأنا شخصيًا لا أرى كيف يمكن أن يبدأ أحدهم رواية وينهيها آخر دون أن يكون الأوّل ملمًا تمامًا بما كتب الثاني.
٢- ذكر بول أيضًا ملحوظة في غاية الأهمية، وربما يكون أوّل كاتب خيال علمي يوضح الأخطاء العلمية في روايته في ملحق في نهاية الرواية.
وأستغل هذه الفرصة لأوضح أن رواية الخيال العلمي لا تقاس بجودتها أبدًا بصحة المعلومات فيها، بعكس ما يعتقد الكثير من القرّاء. في أغلب الأحوال يعتمد الكاتب على خطأ علمي ليضيف إلى قصته عنصر الإبهار، فيقول بول:
الكاتب يضطر في بعض الأحيان إلى أن يتيح لنفسه مساحة من الحرية العلمية، وإلا لن تُحقق الرواية مفادها.

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر