أعلم هو؟... مراجعة لكتاب «التمييز بين العلم واللاعلم»، د. محمد أحمد السيد


إننا نقع في خطأ كبير إذا حاولنا البرهنة على صدق نظرية معينة، أو حتى تبرير الاعتقاد في أي نظرية. فهذا مستحيل من الناحية المنطقية. إن غاية ما نطمح فيه هو أن نبرر تفضيلنا لنظرية معينة على نظرية أخرى.
يظن الكثير، وكنت منهم، أن مشكلة التمييز بين العلم واللاعلم إنّما هي ترف فلسفي، أو أنّه لا توجد أصلًا مشكلة، فمعيار القابلية للتكذيب الخاص بكارل بوبر هو الأشهر والإجابة الجاهزة على سؤال التمييز بين العلم واللاعلم (أو العلم الزائف، كالتنجيم مثلا).

غير أن معيار بوبر ليس المعيار الوحيد، فقد واجه عدة نقدًا من بعض فلاسفة العلم الذين حاولوا وضع معاييرهم الخاصة.

إذن، كيف نميز بين العلم واللاعلم؟
يرى بيكون أن المنهج الاستقرائي هو المعيار المميِز، فالتجارب والملاحظات هي ما يعطي صفة "العلمية للنظرية"، وذلك يميزها عن القضايا الأخرى التي تتأسس على العاطفة أو السلطة أو التأمل الميتافيزيقي.
لكن واجه المنهج الاستقرائي مشكلة كبيرة اتضحت مع ديفيد هيوم، الذي شكك أصلا في الاستقراء، شكك في فكرة العلية. وتساءل عن مدى عقلانية الاعتقاد في اطراد الحوادث في الطبيعة، وبالتالي لا يوجد أي أساس منطقي للاستقراء! وإنما هي عادة أن نتوقع أن المستقبل سيأتي على غرار الماضي.
ثم يأتي معيار بوبر الشهير للتمييز بين العلم واللاعلم، وهو معيار القابلية للتفنيد: فالنظرية العلمية تكون قابلة لأن يثبت خطؤها عن طريق تجربة ما مثلا.
لكن للأسف هناك بعض القضايا، مثل التنجيم مثلا، قد تكون قابلة للتكذيب، حيث يقول توماس كون:
لا نستطيع استبعاد التنجيم من مجال العلم بسبب الشكل الذي تصاغ فيه تنبؤاته.
بوبر نفسه وقع في تناقض وتردد بين قبول ورفض الميتافيزيقا، فهو قد فشل في التوفيق بين الحفاظ على الميتافيزيقا من جهةواعتبار قضاياها عناصر غير قابلة للتكذيب. حتى أنه تمسك بالجانب الإيماني الدجماطيقي كعامل أساسي من عوامل تطور ونمو المعرفة العلمية.




فيرابند، الفيلسوف النمساوي، يرى أنّه أصلا لا يوجد مجال للحديث عن معيار للتمييز أصلا بالمعنى الذي نقصده هنا. ويقول إجابة غريبة:
دع الناس يحررون أنفسهم من أسار القواعد المنهجية.
أما توماس كون، فيعتبر أن طرق العثور على الألغاز وحلها، هي المعيار للتمييز بين العلم واللاعلم. فهو يقارن بين موقف المنجم وعالم الفلك، فعالم الفلك قد تخفق تنبؤاته فيعيد حساباته لتعديلها، ويطلق كون على هذه المشكلات اسم الألغاز النظرية والرياضية. أمّا المنجم فليس لديه مثل هذه الألغاز، فهو يستطيع تفسير فشل تنبؤاته. فأي منجم لا يستطيع أن يستخدم فشله في التنبؤ في محاولة بناءه لإعادة النظر في التقاليد البحثية المستخدمة في التنجيم.

أما الفيلسوف المجري، إيمري لاكاتوش، فيرى أن القدرة على التنبؤ بوقائع جديدة، أو الكشف عن وقائع جديدة ليست معروفة هي ما يميز العلم عن اللاعلم، أما النظريات في البرامج اللاعلمية يتم تلفيقها لتلائم الوقائع الموجودة.
تلخيص بسيط (بخطي المتواضع) لآراء فلاسفة العلم في موضوع التمييز بين العلم واللاعلم.

ثم ينتهي الكتاب بتساؤل مهم جدًا: هل هناك أصلًا معيار للتمييز بين العلم واللاعلم؟ أم أن هذا الخط الفاصل هو مجرد وهم نجري وراءه؟ وكيف تتداخل الميتافيزيقا مع العلم نفسه؟ حيث يرى كارل بوبر في آخر ما كتب قبل وفاته أن:
من المستحيل التخلص من العناصر الميتافيزيقا المتداخلة مع النظريات العلمية.

الكتاب سهل جدًا لغة وأسلوبًا، ومُجمل لأشهر آراء فلاسفة العلم عن موضوع التمييز بين العلم واللاعلم، وسيجعل القاريء ملمًا بتلك المشكلة الكبيرة في فلسفة العلوم.
وربما يكون مدخلًا ممتازًا لفلسفة العلوم، ينطلق منه القاريء نحو نظرة أعمق وأدق عن طريق الاطلاع على المزيد حول الموضوع.

الكتاب من تأليف د. محمد أحمد السيد، صادر عن مكتبة الأسرة، عام ٢٠١٥، يقع في ٢٢٣ صفحة.




تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟