أعقد شيء في الكون.. مراجعة كتاب «مستقبل العقل» ميتشو كاكو


لم أقرأ كل كتب المستقبليات بطبيعة الحال، لكن ما أنا متأكد منه، ألا أحد يستطيع أن يكتب فيها بنفس براعة «ميتشو كاكو»، عالم الفيزياء النظرية الأمريكي ذو الأصل الياباني. إذ كيف يمكن أن أستمتع بكتب في المستقبليات أكثر مما استمتعت بما كتب الرجل؟ خصوصًا أنني قرأت له سابقًا كتاب «فيزياء المستحيل».
كاكو في أحدث كتبه «مستقبل العقل.. الاجتهاد العلمي لقهم العقل وتطويره وتقويته». يتعرض لشيء لا يقل مجهولية وتعقيدًا عن الكون الواسع ذو المليارات من النجوم وآلاف أضعافها من الكواكب.. ألا وهو العقل.. بل هو الشيء «الأعقد في النظام الشمسي» على حد تعبيره.
نأخذ وعينا كأمر مسلم به، لكننا لا ندرك التسلسل الطويل والملتوي من الحوادث البيولوجية التي جعلت الوعي ممكنًا. يكتب عالم النفس ستيفن بينكر: أعتقد أن لا شيء يعطي الحياة هدفًا أسمى من إدراك أن كل لحة من الوعي هي بمنزلة هدية ثمينة.
يتعرض كاكو أولًا بشكل مبسط لتركيب الدماغ، وشرح مبسط لأجزاءه المختلفة، ووظيفة كل جزء، ليتخذ ذلك منطلقًا يشرح على أساسه أهم التطورات المستقبلية المتوقعة والتي ستؤثر بشكل ثوري على قدرات العقل البشري.





ثم يتعرض لمقدمة تاريخية بسيطة عن تاريخ تصور العقل، فمنهم من اعتقد أن هناك قزمًا في الدماغ هو من يوجه أفعالنا.
ينطلق بعدها في رحاب التقنيات التي تجري في حقل العقل، مثيرًا أسئلة فلسفية وأخلاقية وعلمية لاحصر لها مع كل تقنية.
لو أخذنا مثلا تقنية كتقنية نقل الذكريات أو تخليقها داخل دماغ شخص، هل هذا أخلاقي أصلا أن نحذف أو نضيف على ذكريات شخص ما؟ وهل لو نقلنا ذكريات من شخص لشخص، هل ستتبدل الشخصبات بينهما؟
تقنية أخرى، وهي تمثيل المخ بدوائر إلكترونية.. هل هذا يعني أننا بالفعل أنشأنا مخًا؟ ماذا عن الوعي؟ هل هو مجرد نتيجة ثانوية لمكونات المخ نفسه؟ أم أن هناك مصدرٌ آخر للوعي؟
ثم أكثر النقاط إثارة للجدل وهي حرية الإرادة. هل نحن أحرارًا فعلا، أم أن كل وظيفة العقل عندنا هي تبرير الاختيار الذي اختير بالفعل؟ وهذه النقطة بالذات لها تبعات فلسفية ودينية خطيرة، إذ كيف يمكن أن يُحاسب شخص إذا لم يكن حرّا في اختياره. خصوصًا وأن هناك تجارب تقول أن الدماغ يتخذ القرار قبل أن يدرك الشخص ذلك(ص٤٠٩). فهل تكون الإرادة الحرة وهمًا؟
ومن المواضيع الشائكة أيضًا، في فصل «حالات معدلة من الوعي»، هو الذي يتناول فيه وجود مناطق معينة في الدماغ مسؤولة عن استشعار حضور من نوع ما لكائن أعلى، وهو المرتبط بشكل كبير مع فكرة الإله في الديانات المختلفة.
هذا والعديد من التقنيات التي يدمج فيها كاكو بين الأحياء والكيمياء وتخصصه الفيزياء بشكل جميل جدًا.
هذا الدمج يعد واحدة من عدة أشياء يبرع فيها ميتشو كاكو، ليس بين الفروع العلمية وحدها. حتى دمج التاريخ وسط تلك المعمعة العلمية يبرع فيه، ما يعطي بعدًا آخر للحدث أو الخاصية التي يتناولها.
في صفحة واحدة مثلا، ربط بين البروستانتية وحرية الإرادة، والكوانتم والعقل.
من المميزات الكبيرة في كتب ميتشو كاكو بوجه عام، استعانته بكثافة بأعمال الخيال العلمي، من قصص وروايات ومسلسلات وأفلام (تقريبًا أكثر من ثلاثين عنوانًا من الخيال العلمي في هذا الكتاب)، لتوضيح التأثير المتبادل بين العلم والخيال العلمي (شغفي الأوّل بالمناسبة). وأيضًا يذكر كثيرًا تأثره وهو طفل بالخيال العلمي، وكان لذلك أثر كبير على شخصيته العلمية، كما كان التأثير حاضرًا عند كثير من العلماء.
ملاحظتان بالنسبة للترجمة:
- أولا استخدام مصطلحات نوعًا ما غريبة، مثل إنسالات للتعبير عن الروبوتات، والتي قد تكون صحيحة لكني لا أفضلها.
- محررو عالم المعرفة مصرون على ذكر أن ميتشو كاكو حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء، وهذا غير صحيح. والخطأ موجود أيضًا في ترجمة كتاب «فيزياء المستحيل» في نفس السلسلة.

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟