العدم، اللانهاية، وأكثر من ثلاثة أبعاد- مراجعة كتاب «أشياء لن تستطيع أن تتخيلها»، د.محمد قاسم


في عام ٢٠١٢ وقعت يدي على بودكاست (برنامج صوتي) على الإنترنت.
البرنامج اسمه "سايوير بودكاست" sciware podcast يقدمه مُقدم خليجي ذو صوت رخيم عرفت بعد ذلك أن اسمه د. محمد قاسم، وأنه يقدم البرنامج من سنوات سبقت ٢٠١٢(من عام ٢٠٠٩ تحديدًا). صدر من البرنامج أكثر من مائه وثلاثين حلقة حتى الآن، أتذكر أنني سمعت أكثر من مائة حلقة منها، وكررت الحلقات أكثر من مرة.
تعرفت بعدها على د.محمد قاسم من خلال حسابه على تويتر، وتشرفتُ وسعدت كثيرًا بمعرفتي له.
عندما نشرت كتابي " مهندسو الخيال" مع دار نشر نوفا بلس الكويتية دخلت على حسابهم في تويتر بالصدفة فوجدتهم يعلنون عن كتاب اسمه «أشياء لن تستطيع أن تتخيلها» نظرت على اسم المؤلف فإذا هو د. محمد قاسم. فرحت كثيرًا، وانتظرت الكتاب بصبر نافد.




الكتاب عبارة عن عدة حلقات منتقاه من حلقات السايوير بودكاست، ولكن هذه المرة مكتوبة على أوراق، بين دفتي كتاب. وهي وسيلتي الأفضل لتلقي المعلومة.
أفضل وأول فصول الكتاب هو الفصل الذي أخذ الكتاب عنوانه، وهو «أشياء لن تستطيع أن تتخيلها». والفصل يتحدث عن ثلاثة أشياء لا يستطيع العقل أن يستوعبها أو يمثلها مهما حاولنا، وهي: العدم، واللانهاية، والأبعاد فوق الثلاثة.
الفصل ربما ميزته الأكبر أنه اشتمل على فروع معرفية كثيرة، بعضها رياضي وهندسي، وبعضها فيزيائي، وبعض الفلسفة خصوصًا في الجزء الخاص بالعدم، إضافة لجزء تاريخي لطيف حول تحريم الفراغ!
أضف لكل ذلك مقدمة الفصل الرائعة حول أهمية الخيال ودوره في تكوين المجتمعات والروابط المجتمعية، وقيام الشركات، والصور الذهنية والتجريد، وغيرها من الأشياء التي تميزنا كبشر وكان الخيال محركها الأكبر.

يلي ذلك الفصل في الأهمية، الفصل الخاص بالمغالطات المنطقية، وهو فصل مهم جدًا لأن محتواه يتغلغل في صلب مناقشاتنا وأحاديثنا اليومية، وما نشاهده يوميًا على التلفاز أو نقرؤه على الإنترنت. ويتعرض للأخطاء المنطقية التي نقع فيها أو يقع فيها المُحدّث أو الكاتب بقصد أو بغير قصد، ويغير بها الحقيقة، ويلبس الباطل لباس الحق، بطريقة تجعلنا نقتنع بكلامه. فكيف نكشف تلك الطرق الملتوية؟ وكيف نقي أنفسنا من الوقوع في هذه الفخاخ المنطقية؟ هذا الفصل سيساعدك في أن تفعل ذلك.
ثم فصل «التصنيف والجماعات»، يأتي الثالث من حيث الأهمية، وأهميته في توضيح العوامل النفسية والعقلية وراء تصنيفنا للجماعات، وانتماءنا لجماعتنا (الدينية أو الوطنية أو العرقية أو...)، هل فعلا المباديء وحدها هي ما تجعلنا نصرّ على وضع أنفسنا تحت لواء جماعة ما من أي نوع؟ هل فعلًا لأن تلك الجماعة تستحق أن تُتبع؟ أم أن هناك عوامل نفسية تحكم عملية الاتباع تلك؟
أترك لكم اقتباسًا من الفصل:
«دفاعك عن مجموعتك لا يعود لأسباب منطقية، ولا يعود لكونك أنت على صواب والآخرين على خطأ، بل يعود لكونك تنتمي لجماعة لا أكثر. التجارب تبين أنّه حتى لو كنت تنتمي لجماعة مكونة بشكل عشوائي لكنت متعصبًا لها بنفس الطريقة».
باقي الكتاب يتحدّث عن عدة موضوعات شيقة في العلوم والفلسفة، حول الفضاء والفيزياء والموسيقى.
لا أستطيع أن أصف هنا كيف استمتعت بالكتاب برغم سماعي للحلقات سابقًا. فالمعلومات شيقة جدًا، ليست اعتيادية، وغريبة، وحتى طريقة كتابتها ممتازة، إضافة للأمثلة التي كان يقدمها ليوضح مفهومًا أو يشرح معضلة. انظر إلى القصة التي ألفها حول العدم، أو إلى الأمثلة في فصل المغالطات المنطقية وستعرف ما أقصد.

عمومًا، تجربة ممتعة جدًا، ومنتظر الكتاب القادم للدكتور، خصوصًا وأنني علمت أن هناك كتابًا في الطريق.

تعليقات

إرسال تعليق

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر