المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2017

المخترع الذي عشق حمامة... مراجعة رواية «بروق»، جان إشنوز


لا أعرف، وربما لا يوجد، مخترع أو عالم أو شخص ذو تأثير كبير له من سوء الحظ نصيب قد يُضاهي نصيب المخترع الصربي الأمريكي «نيكولا تسلا».
اشتهر الرجل بفكرته لاستخدام التيار الكهربي المتردد بدلا من التيار الثابت.
وعندما كان يعمل في شركة «جنرال إليكتريك» التي يملكها توماس إديسون، ذلك الرجل البغيض الذي كرهته بسبب هذه الرواية، عرض تسلا فكرته على إديسون لكنه رفضها رفضًا تامّا. وحتى بعد أن ترك تسلا شركة إديسون، كرّه إديسون النّاس في فكرة تسلا للتيار المتردد، بعد ما أخذ يُكهرب الطيور ويقتلها بتيار تسلا المتردد أمام الناس ليعرفوا ضرره، حتى أنه أعدم إنسانًا بتلك الطريقة، وكانت هذه بداية فكرة الكرسي الكهربي للإعدام.





طُحِن تسلا من قبل الرأسمالية التي كانت تمنعه من تمويل اختراعاته التي كانت ستجعل الطاقة أرخص، وتمّت سرقة أفكار اختراعاته، منها الراديو بواسطة ماركوني وأشعة إكس بواسطة رونتجن.
الغريب في شخصية تسلا أن حين نيته وسذاجته كانت توقعه في مشكلة تلو الأخرى دون أن يتعلم من تلك المواقف شيئا لمستقبله، وهو ما سبب في مرة من المرات تنازله عن مبلغ ١٢ مليون دولار لشركة ويسترن يونيون، كنوع من أنواع رد الجميل للشركة، ولكن لم يعرف أن هذا سيكون وبالًا عليه وعلى حياته.
منظومتك لا تستقيم أبدًا، فإذا أمكن للعالم كله ان ينهل من الطاقة مجانًا، فما سيكون مصيري أنا؟ وأين سأضع العداد؟
- أحد ممولي تسلا
تتناول رواية «بروق» للكاتب الفرنسي «جان إشنوز» تلك الحياة البئيسة الجحيمية التي انتهت كما لا تنتهي حتى حياة أي شخص عادي لم يتسبب في تغيير مجرى تاريخ التكنولوجيا مثل تسلا، بل كانت أفقر وأقذر.
الجوانب الشخصية الغريبة لتسلا كانت محل تركيز كبير من الكاتب.. هوسه بعدّ أي شيء، من البلاطات على الرصيف، والناس في الشارع، وغيرها.. هذا الهوس الذي لم يستثن شيئًا سوى الأموال.
جوانب اهتمامه بالطيور، وارتباطه الغريب بحمامة، حتى إذا توفت قام بتحنيطها لتظل بجانبه، بعد أن كان قد دفنها.
ربما أعيد النظر في وصفي لتسلا بأنه سيء الحظ، الرجل كانت علاقته بالاختراعات من الأساس علاقة غريبة.. هو لا يريد إلا أن يُفيد، فكونه لم يحقق ربحًا من اختراعاته لم يكن شيئًا ذا خطر بالنسبة له، أو هكذا أظن.
الأسلوب نفسه الذي كتب به الكاتب القصة كان أسلوبًا سرديًا لا يوجد به أية حوارات، وربما كان هذا مستحسنًا في رواية عن حياة مديدة، آثر فيها أن يتحدث عن الأحداث دون الدخول في تفصيلات الحوار.
لن يكون أبدًا من النوع الذي يُطوّر قفلًا، أو يُحسن فتاحة علب. عندما تهل عليه الأفكار، فإنها تطل مباشرة من عل، من علو شاهق، في جسامة الكون الشاسع، وخدمة للصالح الكوني.
حقيقة، الرواية مهمة جدًا، وكذلك ممتعة، تروي قصة ذلك الرجل الذي يبدو أن العالم كله قد نبذه... حتى الطيور التي اهتم بها وصب عليها حنانه واهتمامه، هي الأخرى نبذته.

أعقد شيء في الكون.. مراجعة كتاب «مستقبل العقل» ميتشو كاكو


لم أقرأ كل كتب المستقبليات بطبيعة الحال، لكن ما أنا متأكد منه، ألا أحد يستطيع أن يكتب فيها بنفس براعة «ميتشو كاكو»، عالم الفيزياء النظرية الأمريكي ذو الأصل الياباني. إذ كيف يمكن أن أستمتع بكتب في المستقبليات أكثر مما استمتعت بما كتب الرجل؟ خصوصًا أنني قرأت له سابقًا كتاب «فيزياء المستحيل».
كاكو في أحدث كتبه «مستقبل العقل.. الاجتهاد العلمي لقهم العقل وتطويره وتقويته». يتعرض لشيء لا يقل مجهولية وتعقيدًا عن الكون الواسع ذو المليارات من النجوم وآلاف أضعافها من الكواكب.. ألا وهو العقل.. بل هو الشيء «الأعقد في النظام الشمسي» على حد تعبيره.
نأخذ وعينا كأمر مسلم به، لكننا لا ندرك التسلسل الطويل والملتوي من الحوادث البيولوجية التي جعلت الوعي ممكنًا. يكتب عالم النفس ستيفن بينكر: أعتقد أن لا شيء يعطي الحياة هدفًا أسمى من إدراك أن كل لحة من الوعي هي بمنزلة هدية ثمينة.
يتعرض كاكو أولًا بشكل مبسط لتركيب الدماغ، وشرح مبسط لأجزاءه المختلفة، ووظيفة كل جزء، ليتخذ ذلك منطلقًا يشرح على أساسه أهم التطورات المستقبلية المتوقعة والتي ستؤثر بشكل ثوري على قدرات العقل البشري.





ثم يتعرض لمقدمة تاريخية بسيطة عن تاريخ تصور العقل، فمنهم من اعتقد أن هناك قزمًا في الدماغ هو من يوجه أفعالنا.
ينطلق بعدها في رحاب التقنيات التي تجري في حقل العقل، مثيرًا أسئلة فلسفية وأخلاقية وعلمية لاحصر لها مع كل تقنية.
لو أخذنا مثلا تقنية كتقنية نقل الذكريات أو تخليقها داخل دماغ شخص، هل هذا أخلاقي أصلا أن نحذف أو نضيف على ذكريات شخص ما؟ وهل لو نقلنا ذكريات من شخص لشخص، هل ستتبدل الشخصبات بينهما؟
تقنية أخرى، وهي تمثيل المخ بدوائر إلكترونية.. هل هذا يعني أننا بالفعل أنشأنا مخًا؟ ماذا عن الوعي؟ هل هو مجرد نتيجة ثانوية لمكونات المخ نفسه؟ أم أن هناك مصدرٌ آخر للوعي؟
ثم أكثر النقاط إثارة للجدل وهي حرية الإرادة. هل نحن أحرارًا فعلا، أم أن كل وظيفة العقل عندنا هي تبرير الاختيار الذي اختير بالفعل؟ وهذه النقطة بالذات لها تبعات فلسفية ودينية خطيرة، إذ كيف يمكن أن يُحاسب شخص إذا لم يكن حرّا في اختياره. خصوصًا وأن هناك تجارب تقول أن الدماغ يتخذ القرار قبل أن يدرك الشخص ذلك(ص٤٠٩). فهل تكون الإرادة الحرة وهمًا؟
ومن المواضيع الشائكة أيضًا، في فصل «حالات معدلة من الوعي»، هو الذي يتناول فيه وجود مناطق معينة في الدماغ مسؤولة عن استشعار حضور من نوع ما لكائن أعلى، وهو المرتبط بشكل كبير مع فكرة الإله في الديانات المختلفة.
هذا والعديد من التقنيات التي يدمج فيها كاكو بين الأحياء والكيمياء وتخصصه الفيزياء بشكل جميل جدًا.
هذا الدمج يعد واحدة من عدة أشياء يبرع فيها ميتشو كاكو، ليس بين الفروع العلمية وحدها. حتى دمج التاريخ وسط تلك المعمعة العلمية يبرع فيه، ما يعطي بعدًا آخر للحدث أو الخاصية التي يتناولها.
في صفحة واحدة مثلا، ربط بين البروستانتية وحرية الإرادة، والكوانتم والعقل.
من المميزات الكبيرة في كتب ميتشو كاكو بوجه عام، استعانته بكثافة بأعمال الخيال العلمي، من قصص وروايات ومسلسلات وأفلام (تقريبًا أكثر من ثلاثين عنوانًا من الخيال العلمي في هذا الكتاب)، لتوضيح التأثير المتبادل بين العلم والخيال العلمي (شغفي الأوّل بالمناسبة). وأيضًا يذكر كثيرًا تأثره وهو طفل بالخيال العلمي، وكان لذلك أثر كبير على شخصيته العلمية، كما كان التأثير حاضرًا عند كثير من العلماء.
ملاحظتان بالنسبة للترجمة:
- أولا استخدام مصطلحات نوعًا ما غريبة، مثل إنسالات للتعبير عن الروبوتات، والتي قد تكون صحيحة لكني لا أفضلها.
- محررو عالم المعرفة مصرون على ذكر أن ميتشو كاكو حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء، وهذا غير صحيح. والخطأ موجود أيضًا في ترجمة كتاب «فيزياء المستحيل» في نفس السلسلة.

دروس الفيزياء السبعة.. مراجعة كتاب Seven brief lessons on physics


كُتبت هذه الدروس لمن لا يعرف شيئًا، أو لمن يعرف القليل من الفيزياء الحديثة.
في جُمل بسيطة جدًا، وشرح مُختصر (الكتاب باللغة الإنجليزية عدد صفحاته تقريبًا تسعون)، يشرح عالم الفيزياء النظرية الإيطالي كارلو روفيلي Carlo Rovelli عدد من موضوعات الفيزياء الحديثة الشيقة جدًا.
والكتاب الذي بين أيدينا أخذ شهرة كبيرة جدًا، حيث تم ترجمته إلى ٢٤ لغة ربما بسبب لغته البسيطة وحجمه الصغير المختصر. ربما لن يأخذ معك في القراءة أكثر من ثلاث ساعات في القراءة، لو كانت لغتك الإنجليزية -العلمية- متوسطة (زي حالاتي).
أما عن الدروس السبعة التي يشرحها صديقنا، فيبدأها بالنظرية العلمية "الأجمل"، كما سمّاها، وهي نظرية النسبية العامّة، تلك النظرية العجيبة التي أتمّ بها أينشتاين نظرية النسبية بعد أن بدأ بالنسبية الخاصة قبل ذلك بحوالي عشر سنوات.
نسبيتنا العامة تتعلق بالجاذبية والكتلة وتأثيرها على الفضاء وعلى الوقت، على نحو ما رأينا مثلا في فيلم إنترستيلر، عندما اقترب الأبطال من نجم نيوتروني فأدى ذلك لأن الزمن يتباطأ بهم لدرجة أنهم عندما عادوا وجدوا زميلهم قد أصبح كبيرًا بأكثر من عشرين سنة بالرغم من أنّهم تركوه لساعات فقط بحسابهم هم للوقت.
الدرس المختصر الثاني عن شقيقة النسبية في الغرابة والبعد عن المألوف، وهي الكوانتم.
تلك التي بدأ شرارتها بلانك بافتراض غريب حنى لبلانك نفسه، وهو أن الإشعاع الكهرومغناطيسي عبارة عن كمّات وليس متصل من الطاقة. حتى بلانك لم يدر فعالية أن تكون الطاقة كمّات، فقد كان هذا الافتراض بالنسبة له مجرد خدعة حسابية وجدها خدعة ناجحة.
جاء بعد ذلك أينشتاين مرة أخرى يستخدم ذلك الافتراض ليفسر ظاهرة التفسير الكهروضوئي، ويحصل بذلك التفسير على جائزة نوبل لاحقًا.
الدرس الثالث كان عن الكون وبناء الكون، نجومه وكواكبه ومجراته، وكيف نعتقد أنه بدأ.. وتاريخ نظرتنا له قبل ذلك، تلك النظرة التي تغيرت مع جاليليو وكوبرنيكوس.
الدروس التالية كانت عن الجسيمات، ذلك العالم الصغير الغريب الذي يخضع لقوانين غير قوانيننا المعروفة. والثقوب السوداء واتجاه سهم الزمان (لماذا دائمًا يسير دائمًا للأمام؟)، والحرارة في الكون.

ينتهي الكتاب بشكل مثالي. إذ بعد تلك الجولة الطويلة من مسافات الكون الشاسعة وأجرامه الضخمة مثل النجوم والمجرات إلى أصغر الجسيمات، كان لاپد من نظرة عميقة في أنفسنا، نحن البشر، الكائنات الوحيدة في الكون (على ما نعلم حتى الآن) التي لها فضول ساقها إلى تلك المعرفة المهولة التي تراكمت عبر آلاف السنوات، فأضحو على علم بما يحدث في بواطن نجوم تبعد عنهم بمليارات الكيلومترات.
إذن، ما "نحن"؟ كيف يفكر عقلنا ذلك؟ وما مصدر وعينا؟ وما هو الوعي أساسًا؟ كل تلك الأسئلة المحيرة القديمة قدم الفلسفة يحاول مؤلف كتتبنا إجابتها بِجُمَله البسيطة الواضحة.

لو انتقلنا لملاحظاتي، فهي كالتالي:
١- الكتاب فعلًا بسيط جدًا ومختصر ولغته واضحة ويصلح لمن لا يعرف أي شيء تمامًا عن الفيزياء الحديثة والكونيات.
٢- الكتاب حديث نوعًا ما (صدر الكتاب عام ٢٠١٤) ، وهو الشيء الجيد في أي كتاب علمي، إذ أن الكاتب يشرح اكتشافات حديثة تبرهن لنظريات أو توقعات قديمة، مثل اكتشاف هيجز بوزون في سيرن مثلا من سنوات قليلة.
٣- شيء يعجبني كثيرًا في بعض الكتب هو ذكر نبذة تاريخية عن شخص المكتشف والظروف المحيطة بالاكتشاف، وهو ما فعله صديقنا الكاتب.
٤- الكتاب بأمانة لم يضف لي كثيرًا بشكل شخصي لأن أغلب معلوماته كانت معروفة لدي، لكنه كما قلت سيكون معينًا جدًا لمن لا يعرف شيئًا عن الفيزياء الحديثة.

استمتعوا إذن بدروس كارلو السبعة المختصرة..




العلم المقتول.. مراجعة كتاب: "لماذا انتصر العلم المزيف؟"، د.خالد منتصر


إن كل شيء أصله ماء، مؤرخو العلم يؤرخون لبداية المنهج العلمي في التفكير بهذه الجملة التي قالها طاليس ٦٠٠ ق.م والتي لولاها ولولا خطأها ما كان العلم.
في كتاب صغير نوعًا ما (١٧٠ صفحة)، يوجز "خالد منتصر" الأسباب التي جعلت العلم "المزيف" ينتصر في عالمنا العربي على العلم الحقيقي من وجهة نظره، من خلال نظرة مجتمعية ودينية وتاريخية، ومقارنات بين نماذج مختلفة لأمم انتصر فيها العلم الحقيقي.
العلم الحقيقي هو الذي له قابلية التكذيب. على هذا الأساس (الذي قال به فيلسوف العلم الشهير "كارل بوبر") يسير خالد منتصر في متاهات العقلية العربية محاولًا اقتفاء أسباب اختفاء العقلية العلمية، فالمعلومة غير القابلة للتكذيب هي معلومة غير علمية مثل الأرواح والأشباح وقصصها الغريبة مثلا.




أما عن الأسباب فيُجملها خالد منتصر في الآتي:
أولًا: كراهية العلم ذاته، واستبداله بأساليب خرافية في الطب مثلا وغيره، وهذا ناتج عن تقديس كبير جدًا نملكه للتراث، أو الرأي القديم بوجه عام. وفي إطار نفس السبب يلفت النظر لنقطة كانت غائبة بشكل كبير عن تفكيري بأمانة وهي ضرورة تحديث اللغة العربية بما يناسب الأغراض العلمية.

ثانيًا: خلط الدين بالعلم بشكل يضر بالعلم والدين معًا.
يصدف أنني شاهدت من أيام فيديو لعلي منصور كيالي وهو يشرح الوزن الذري ويقول أن القرآن ذكر أن هناك ما هو أصغر من الذرة "من ١٤٠٠ عام، وهذا دليل على أن القرآن كلام الله" (وهي الجملة الكلاسيكية والأبدية لمقدمي هذا النوع من الأحاديث التي تربط العلم بالدين). وصاحبنا يقول أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبنا بالوزن الذري! وأن "النقير" في القرآن هو الكوارك! وأن الفتيل هو الأوتار في نظرية الأوتار المعروفة!
هذا المنهج من إدخال الآيات في سياق مختلف تمامًا عن غرضها الأصلي، هو ما قصده منتصر في فصلنا هذا. وهو مضر لأسباب كثيرة يضيق بنا المقام هنا لذكرها وإن كان أول تلك الأسباب هي ربط العلم المتغير النسبي، بعقيدة راسخة يقينية. ما يسبب ارتباكًا كبيرًا في حال تغير العلم الذي اعتمدنا عليه لإبراز صحة النظرية العلمية.
ثالثا: استبعاد المنهج العلمي في التفكير، وهو المنهج الذي لا يلزم أن يستخدمه العالم أو الباحث، بل يمكن أن يستخدمه أي شخص عادي أسلوبًا في حياته.
(شخصيًا، أرى أن كتاب "التفكير العلمي" لدكتور فؤاد زكريا هو أفضل كتاب عربي يمكن أن تقرؤوه في موضوع التفكير العلمي وشروطه وأنساقه).
ويمضي الكاتب في ذكر موضوعات لها صلة بالموضوع، منها مثلا قصص لنبذ العلماء في عصور أوروبا الوسطى مثل جاليليو.

الكتاب مفيد بشكل كبير جدًا، ومحيط بالموضوع من جوانب متعددة، لكن يعيبه من وجهة نظري سلبيات منها:
أولًا: الكاتب متشنج في طرح بعض الموضوعات.
ثانيًا: الكتابة باللغة العامية في مواضع كثيرة في الكتابة وخلطها بالفصحى يسبب لي -شخصيًا- نوعًا من الحساسية الفكرية.

ثالثًا: في مواضع كثيرة كان الكاتب يتشعب لمواضيع فرعية بداخل مواضيع فرعية أخرى، إضافة لميل الكاتب للإكثار من الإطناب والتشبيهات والأساليب البلاغية، وهو ما لا يلائم هذا النوع من الكتب.

العدم، اللانهاية، وأكثر من ثلاثة أبعاد- مراجعة كتاب «أشياء لن تستطيع أن تتخيلها»، د.محمد قاسم


في عام ٢٠١٢ وقعت يدي على بودكاست (برنامج صوتي) على الإنترنت.
البرنامج اسمه "سايوير بودكاست" sciware podcast يقدمه مُقدم خليجي ذو صوت رخيم عرفت بعد ذلك أن اسمه د. محمد قاسم، وأنه يقدم البرنامج من سنوات سبقت ٢٠١٢(من عام ٢٠٠٩ تحديدًا). صدر من البرنامج أكثر من مائه وثلاثين حلقة حتى الآن، أتذكر أنني سمعت أكثر من مائة حلقة منها، وكررت الحلقات أكثر من مرة.
تعرفت بعدها على د.محمد قاسم من خلال حسابه على تويتر، وتشرفتُ وسعدت كثيرًا بمعرفتي له.
عندما نشرت كتابي " مهندسو الخيال" مع دار نشر نوفا بلس الكويتية دخلت على حسابهم في تويتر بالصدفة فوجدتهم يعلنون عن كتاب اسمه «أشياء لن تستطيع أن تتخيلها» نظرت على اسم المؤلف فإذا هو د. محمد قاسم. فرحت كثيرًا، وانتظرت الكتاب بصبر نافد.




الكتاب عبارة عن عدة حلقات منتقاه من حلقات السايوير بودكاست، ولكن هذه المرة مكتوبة على أوراق، بين دفتي كتاب. وهي وسيلتي الأفضل لتلقي المعلومة.
أفضل وأول فصول الكتاب هو الفصل الذي أخذ الكتاب عنوانه، وهو «أشياء لن تستطيع أن تتخيلها». والفصل يتحدث عن ثلاثة أشياء لا يستطيع العقل أن يستوعبها أو يمثلها مهما حاولنا، وهي: العدم، واللانهاية، والأبعاد فوق الثلاثة.
الفصل ربما ميزته الأكبر أنه اشتمل على فروع معرفية كثيرة، بعضها رياضي وهندسي، وبعضها فيزيائي، وبعض الفلسفة خصوصًا في الجزء الخاص بالعدم، إضافة لجزء تاريخي لطيف حول تحريم الفراغ!
أضف لكل ذلك مقدمة الفصل الرائعة حول أهمية الخيال ودوره في تكوين المجتمعات والروابط المجتمعية، وقيام الشركات، والصور الذهنية والتجريد، وغيرها من الأشياء التي تميزنا كبشر وكان الخيال محركها الأكبر.

يلي ذلك الفصل في الأهمية، الفصل الخاص بالمغالطات المنطقية، وهو فصل مهم جدًا لأن محتواه يتغلغل في صلب مناقشاتنا وأحاديثنا اليومية، وما نشاهده يوميًا على التلفاز أو نقرؤه على الإنترنت. ويتعرض للأخطاء المنطقية التي نقع فيها أو يقع فيها المُحدّث أو الكاتب بقصد أو بغير قصد، ويغير بها الحقيقة، ويلبس الباطل لباس الحق، بطريقة تجعلنا نقتنع بكلامه. فكيف نكشف تلك الطرق الملتوية؟ وكيف نقي أنفسنا من الوقوع في هذه الفخاخ المنطقية؟ هذا الفصل سيساعدك في أن تفعل ذلك.
ثم فصل «التصنيف والجماعات»، يأتي الثالث من حيث الأهمية، وأهميته في توضيح العوامل النفسية والعقلية وراء تصنيفنا للجماعات، وانتماءنا لجماعتنا (الدينية أو الوطنية أو العرقية أو...)، هل فعلا المباديء وحدها هي ما تجعلنا نصرّ على وضع أنفسنا تحت لواء جماعة ما من أي نوع؟ هل فعلًا لأن تلك الجماعة تستحق أن تُتبع؟ أم أن هناك عوامل نفسية تحكم عملية الاتباع تلك؟
أترك لكم اقتباسًا من الفصل:
«دفاعك عن مجموعتك لا يعود لأسباب منطقية، ولا يعود لكونك أنت على صواب والآخرين على خطأ، بل يعود لكونك تنتمي لجماعة لا أكثر. التجارب تبين أنّه حتى لو كنت تنتمي لجماعة مكونة بشكل عشوائي لكنت متعصبًا لها بنفس الطريقة».
باقي الكتاب يتحدّث عن عدة موضوعات شيقة في العلوم والفلسفة، حول الفضاء والفيزياء والموسيقى.
لا أستطيع أن أصف هنا كيف استمتعت بالكتاب برغم سماعي للحلقات سابقًا. فالمعلومات شيقة جدًا، ليست اعتيادية، وغريبة، وحتى طريقة كتابتها ممتازة، إضافة للأمثلة التي كان يقدمها ليوضح مفهومًا أو يشرح معضلة. انظر إلى القصة التي ألفها حول العدم، أو إلى الأمثلة في فصل المغالطات المنطقية وستعرف ما أقصد.

عمومًا، تجربة ممتعة جدًا، ومنتظر الكتاب القادم للدكتور، خصوصًا وأنني علمت أن هناك كتابًا في الطريق.

Popular Posts

العلم في منظوره الجديد (روبرت م .أغروس و جورج ن.ستانسيو)

رسالة من النجم فيجا.. مراجعة "اتصال"، كارل ساجان