المشاركات

عرض المشاركات من مايو, 2017

الزمان، الكون، والأبعاد.. مراجعة كتاب A Brief History of Time


رغبة الإنسانية العميقة في المعرفة هي أكبر تبرير لاستمرارنا في البحث. وهدفنا لن يكون أقل من فهم كامل للكون الذي نعيش فيه.
مع هوكينج نرتحل في الكون، ذلك العالِم المعجزة. واحد من أنبغ فيزيائيي العالم المعاصرين. ومع أكثر كتبه مبيعًا وشهرة، إن لم يكن أكثر كتب القرن العشرين مبيعًا في تبسيط العلوم A Brief History of Time أو "موجز تاريخ الزمن".




من كوبرنيكوس وجاليليو ينطلق هوكينج.. حيث كان العلم مُحاكَمًا لأنه خالَف المُعتقد. وانطلقت شرارة المعركة الرهيبة بين العلم والرجعية، فأزيلت الأرض من مركز الكون، وأخذت معها رمزية الكون المتمحور حول الإنسان.
وكانت تلك المعركة واحدة من المحطات التي ساهمت في تشكيل نظرتنا الحالية عن الكون. فالأرض إذًا ما هي إلا كوكب صغير في مجموعة شمسية من ملايين المجموعات الشمسية في كون فسيح. كون بدأ من نقطة صغيرة جدًا في الانفجار العظيم الذي حدث منذ أكثر من ١٣ مليار سنة. أو هكذا نعتقد.
ذلك الاعتقاد الذي رآه أصحاب الديانات الإلهية داعمًا لوجود إله، فلو كان هناك بداية، فلابد من سبب أوّل لها.
تكوّنت المادة كما نعرفها وتكون الزمان والمكان، وجاء بعد مليارات السنوات إنسان اسمه أينشتاين خرج علينا بنسبيتيه الخاصة والعامة، لنعرف أن ذلك الزمان نسبي ليس مطلقًا، فهو يختلف من شخص لآخر بحسب سرعته.

أحد السحرة في أحد أجزاء هاري بوتر: "هاري بوتر وسجين أزكابان" يقرأ كتاب هوكينج :)

بعده جاء بشريّ آخر اسمه هايزنبرج قال بأن الطبيعة بخيلة علينا بالبيانات، فأنت لا تستطيع معرفة كل شيء بدقة متناهية، فهناك "عدم تأكد" مزروع في قلب الطبيعة، وجاء مبدأ "عدم التأكد" Uncertainty principle​ هذا ليُخطّيء حتمية لابلاس التي قال بها بعد أن أظهرت نظريات نيوتن فاعلية كبيرة في التنبؤ بالأحداث الفيزيائية بناء على المعطيات الأولى. فهو يقول أن الأحداث حتمية، لا مجال فيها للاحتمالية أو الشك.
انتقل هوكنج بعد ذلك إلى الجسيمات الصغيرة التي تملأ جنبات الكون.. الجسيمات الحقيقية، والجسيمات الافتراضية حاملة القوى، مثل الجرافيتون المسؤول عن حمل قوى الجاذبية بين الأجسام المتجاذبة.
هناك أيضًا الثقوب السوداء، ذلك "التكوين المتطرف من المادة" كما وصفه أينشتاين الذي رفض وجود تلك الثقوب السوداء في بداية الأمر. هذه الثقوب التي تتكون عندما ينفذ الوقود النووي من داخل النجم فينضغط على نفسه ليكون شيئًا ذا كثافة عالية جدًا. وعن الثقوب السوداء بالذات يتحدث هوكينج عن إسهاماته الشخصية في الموضوع منها مثلا اكتشافه أن تلك الثقوب ليست سوداء تمامًا، وإنما يخرج منها إشعاع وغيرها من الإسهامات.
باقي الكتاب يتحدث فيه عن الكون وأصل الكون ونهايته، وعن الزمن ذلك الشيء العجيب، ويحاول الإجابة على السؤال الأشهر: لماذا يسير الزمان للأمام؟ ولماذا نتذكر الماضي ولا نتذكر المستقبل؟
هذا الكتاب هو ثالث كتاب أقرؤوه لهوكينج، بعد كتابي "الكون في قشرة جوز" و The theory of everything أو "نظرية كل شيء".

ولأنني قرأت له بالإنجليزية كتابين، أستطيع أن أقول أن لغة هوكينج سهلة جدًا بالإنجليزية، لا تتطلب شخص ذو لغة جيدة جدًا لفهمها، ويبدو أنّه يقصد ذلك كون كتبه موجهة لغير المتخصصين.
بوجه عام، لغته وطريقته في الشرح مبسطة بشكل كبير.
هوكينج يكرر دائمًا كلمة "الإله" في كتاباته، هو لا يُثبت ولا ينفي وجوده في الكُتب التي قرأتُها، ولكنه مصر على ذكر الإله وما يستطيع عمله.. وهكذا، ولا أدري لم هذا الهوس؟

عمومًا، الكتاب وجبة فيزيائية كونية مبهرة ورحلة جيدة جدًا في تاريخ بحثنا عن معرفة ماهية الكون الذي نعيش فيه.

الكوانتم في نزهة... مراجعة كتاب "الفيزياء والفلسفة"، هايزنبرج


«فقد فسّر بلانك في أثناء هذه النزهة، كيف أنه لمس إمكانية التوصل إلى كشف، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، هذا الكشف لا يُضاهيه إلا اكتشافات نيوتن»
إذن، نحن على موعد مع فيرنر هايزنبرج Werner Heisenberg، ذلك الفتى الألماني المشاكس المحب للعلم، والذي تتلمذ على يد أبرز علماء الفيزياء في زمانه، منهم مثلا سومرفيلد، وصاحب واحد من أكبر المساهمات في نظرية الكوانتم، وهو مبدأ عدم التأكد Uncertainty principle، والحاصل على نوبل في عام ١٩٣٢.
(في نهاية الترجمة العربية، نسخة المركز القومي للترجمة، هناك ملحق يسرد ملخص سيرة شخصية لهايزنبرج ودراسته الجامعية).





يسرد علينا الرجل في مقالاته التي جُمعت في هذا الكتاب، آراءه الفلسفية بخصوص الفيزياء (الحديثة تحديدًا)، وما سببته تلك الفيزياء من تغييرات جذرية في عمق فهمنا للعالم وطريقة عمله، وحتى الأمور التي كنا نعتبرها من البديهيات العقلية مثل الزمن وغيره.
واجهت بعض المشكلات الفيزيائية المجتمع العلمي في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، منها مثلا مشكلة إشعاع الجسم الأسود، والتي انتهت بالنهاية بفرض بلانك أن الطاقة الكهرومغناطيسية عبارة عن كمات منفصلة، وليست مستمرة كما كان يُعتقد قديمًا.
استخدم أينشتاين هو الآخر فكرة التكميم في تفسيرة لظاهرة التأثير الكهروضوئي والتي استحق من أجلها جائزة نوبل لاحقًا.
توالت بعد ذلك الكشوفات التي ساهمت في بناء نظرية الكم بصورتها الكبيرة، منها مبدأ عدم التأكد لصاحب الكتاب، هايزنبرج. والذي انطوى على نتيجة فلسفية عميقة جدًا وهي أن الطبيعة كأنها تخفى علينا أشياء.
ثم كانت الطبيعة الاحتمالية للجسيمات الصغيرة، والتي ربما كانت النتيجة الأغرب، إذ كيف يمكن أن يتواجد جسيم في أكثر من مكان في نفس الوقت؟
أيضا تأثير المشاهد على الظاهرة (إذ أن الجسيمات تتصرف بشكل ما وأنت لا تراقبها، وتتصرف بشكل آخر وأنت تراقبها)، أفضى لأن يعطي صفة الذاتية للتجربة، وهو ما كان غائبًا في التصور القديم..
أينشتاين نفسه رفض هذه النزعة غير الواقعية للتفسيرات الكوانتية، حتى أنه قال تعليقًا على تأثير المشاهد: 
إنني أحبذ أن أعتقد أن القمر موجودًا حتى لو لم أنظر إليه.
يرى كانط، الفيلسوف الألماني الشهير أن هناك جانبًا في حكمنا على الأمور لا يعتمد على الخبرة الحسية، وإنما هي أحكام قبلية - كما أسماها- موجودة في العقل البشري. مثل مبدأ السببية مثلا، فنحن نعتقد أن لكل سبب مسبب، وهذا المبدأ لا يحتاج للخبرة لاستنتاجه.
وعند مقارنة مباديء الفيزياء الحديثة بتلك النظرة الكانطية، سنجد أنها لا تتفق معها، مثل فكرة الزمن النسبي في النسبية.
يستمر هايزنبرج ليوضح المشكلات التي نجمت عن الفيزياء الحديثة، منها مشكلة اللغة مثلا، فنحن بحاجة إلى تعريف جديد للمصطلحات لنستطيع التعبير بها عن تلك المفاهيم الجديدة، ما أدى إلى تطور اللغة بناء على تطور المعرفة العلمية، فكلمات مثل "الطاقة" و"الأنتروبيا" و"الكهرباء" هي أمثلة لما نعنيه بالتطور اللغوي الناتج عن التطور العلمي.
في نهاية الكتاب، هناك ملحق بعنوان «العلم والدين» يكتب فيه هايزنبرج عن مناقشاته مع العلماء حول الارتباط أو الانفصال بين العلم والدين..
الفصل بدأ بمشهد من مؤتمر سولفاي، عندما طرح أحد العلماء سؤالًا: «لماذا أبقى أينشتاين على الإله؟»..
توالت بعدها مناقشات ممتعة جدًا بين ألمع فيزيائيين في القرن العشرين حول القضية..
هايزنبرج، بول ديراك، ماكس بلانك، فولفانج باولي، نيلز بور، وذكرت آراء أينشتاين كذلك..
هايزنبرج نفسه يرى أن الدين لازم وضروري للحفاظ على تماسك المجتمعات..

بوجه عام، الكتاب ثري جدًا جدًا بالأفكار الفلسفية، فهايزنبرج ستشعر أنه فيلسوف أكثر منه عالم فيزياء نظرية. ثم إن طريقة كتابته في حد ذاتها مشوقة وسلسة جدًا.
في الحقيقة، أستطيع أن أقول أن هايزنبرج، إضافة إلى العالم البريطاني الشهير فرانسيس كريك، وأسيموف العالم الأمريكي، هم أكثر ثلاثة علماء استحسنت أسلوب كتابتهم جدًا، وكأنهم أدباء، وإن كان أسيموف فعلا أديبًا.

وهذه الكتب الثلاثة بالذات هي ما أعطاني ذلك الشهور:
- الفيزياء والفلسفة، هايزنبرج
- طبيعة الحياة، فرانسيس كريك
- بين الأرض والقمر، أسيموف

العيب الذي كان موجودًا هو كمية الأخطاء اللغوية والإملائية في نسخة المركز القومي للترجمة.

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون