قابل نفسك في الماضي... مراجعة كتاب "كيف تبني آلة زمن"، بول ديفيز



الكون ليس فقط أغرب مما فكرنا فيه، وإنما أغرب مما يمكن أن نفكر فيه
- ج. ب. إس هالدين

تخيل أنك عُدت إلى الماضي لتقابل نفسك في سن الخمسة. ماذا ستُخبر نفسك حينها؟ والسؤال الأهم، هل هذا ممكن؟ ولو كان ممكنًا، فأي واحد من النسختين سيعبر عنك، أيهما أنت بجوهرك وكيانك؟
كلنا تمنينا السفر إلى الماضي، وتخيلنا أنفسنا أبطالًا يغيرون مجرى أحداث عظام.
وفي بدايات القرن العشرين جاءت النسبية لتغير مفهومنا عن الزمن وتأثره بعوامل عديدة كان يُظن سابقًا أنها لا تؤثر عليه من قريب أو بعيد. وأدى هذا لشلال من الأفكار حول السفر عبر الزمن، وأعاد الروح لتلك الفكرة المجنونة، التي أثارها من قبل كاتب الخيال العلمي الأشهر "هربرت جورج ويلز" في روايته المعروفة آلة الزمن قبل النسبية الخاصة بعدة أعوام.
وفي «كيف تبني آلة زمن؟» للفيزيائي البريطاني الشهير «بول ديفيز» يُعرض علينا اقتراحات لسُبل السفر عبر الزمن.
ويشرح إمكانية ذلك من خلال النسبية الخاصة من خلال شرح مبسط لنتائج النظرية، وتأثير الحركة على الزمن وكيف يمكن أن يتمدد الزمن بالسرعة. وأيضًا من خلال النسبية العامة وتأثير الجاذبية على سير الزمن.
يوضّح بول ديفيز تمدد الزمن بمثال صغير، يقول فيه تخيل أنني سافرت على متن طائرة لمدينة ما، وعدت لك. فسيكون الزمن الذي مر بي غير الزمن الذي مر بك كما تقول النسبية الخاصة لأينشتاين، ولكن طبعا الفرق بين زمني وزمنك سيكون ضئيلًا جدًا ولن تستطيع ملاحظته لأن السرعة التي تحركتُ بها أقل بكثير من سرعة الضوء.
ولكن هناك تجربة أجريت في عام 1971 قام العلماء فيها بوضع ساعة دقيقة جدًا على طائرة دارت حول العالم وعادت مرة أخرة، فتم مقارنتها بساعة مثلها لكنها كانت ساكنة فوجدوا أن الزمن يجري على الطائرة أبطأ من جريانه على الأرض. وكان الفارق بينهما 59 نانو ثانية. طبعًا قيمة صغيرة جدًا، لنفس السبب الذي ذكرناه من دقيقة.

و كذلك عرض لدراسة مبسطة للثقوب السوداء والدودية وإمكانيات السفر عبر الزمن خلالها. ودمج لأفكار الخيال العلمي بأفكار علمية، من ذلك مثلا رواية العالم الشهير كارل ساجان «اتصال»، التي استخدم فيها الثقوب الدودية لهذا الغرض. (ونضيف كذلك ما حدث في فيلم إنترستيلر عندما مر بعض أبطال الفيلم من خلال ثقب دودي نقلهم لزمكان مختلف في الكون، وعندما مروا بجوار جارجانتوا الثقب الأسود الهائل، مرت عليهم ساعات، ولكن كان مر على الأرض عشرات السنوات).

وفي أجمل وأطرف أجزاء الكتاب، يطرح ديفيز المتناقضات الفلسفية والمنطقية التي ربما تمنع السفر عبر الزمن، وبعض الحلول المقترحة لها. واحدة من تلك المعضلات هي متناقضة تغيير الماضي، فلو سافرت إلى الماضي وقتلتَ والدك، كيف ستكون موجودًا من الأساس لتقتل والدك!! وضع الرجل عدد من الحلول منها حل طريف جدًا وهو إنك لو سافرت للماضي ستُمنع بكافة الطرق أن تقتل أباك.. (يُقبض عليك مثلا، أو البندقية يحدث بها عطب مثلا... )

ومعضلات طريفة أخرى تجدها في الكتاب (تحديدًا في صفحات 112 إلى 115).

الكتاب شيق جدًا، ومبسط ومثير للخيال، ومدغدغ للتفكير، وموضح لدور الخيال العلمي في تقدم العلوم ودور العلوم في تقدم الخيال العلمي. ولكن بأمانة لم يُضف الكتابلي (شخصيًا) الكثير لأنني قرأت في هذه الأمور كثيرًا بحكم المجال الذي أحب الكتابة فيه وهو مجال الخيال العلمي. ولكن كما قلنا كتاب ممتاز وبسيط لمن لم يقرأ عن الموضوع من قبل.


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟