كُنتُ معها..

withher

كُنتُ معها حين لفظتنا الأرض..

لم ننتبه إلا عندما وجدنا نفسينا في قلب صحراء حمراء على امتداد البصر، فلم يطل ذهولنا وتساؤلنا.. إنّه المريخ..
وهناك، بعيدًا عن الأرض، رأيتُ وجهها لأوّل مرة..

وقفت حافية على تربة الكوكب القاحل. ووجدت نفسي جالسًا القرفصاء، متصلبًا، أنظر إلى وجهها. ثم أطلت النظر في عينيها، فشعرت بجمال الأُلفة، ووجدت عيني وقد تصلبت تجاه عينيها. كلُّ ما كُتب عن حرية الإرادة وفلسفتها ضاع في تلك اللحظات، كما ضاع كل أمل في العودة إلى الأرض. وجدت كذلك في عينيها نوعًا خاصًا من الحياة.

آه.. الحياة، كُنّا نحن ممثلَيها الوحيدين.. لا، بل كانت هي.. إنما أنا جامد، لا فرق بيني وبين أحقر ذرة من ذرات الحديد في تربة المريخ الصدئة.

كانت المركز، وكان يدور حولها كلُّ شيء.. لقد كدت أسمع التلال والهضاب البعيدة وهي تتهامس.. يدور حديثهم عن الحياة.. وعنها.

لقد كانت حية حتى فاضت منها الحياة على التربة التي لامست قدميها الحافيتين، فسمعتُ، مما سمعتُ، ذرات التراب تئن من النشوة.. نشوة الحياة.

وُلدت الحياة من تحت قدميها، فبدأت –أي الحياة- مشوارها المعهود. ومرت السنون كما تمر الثواني، إذ كان الوقت في كنفها يمر كما يمر بجوار أعتى نجم نيوتروني شوّه نسيج الوقت، بل مزقه.

بدأ الأخضر - لون الحياة- في الظهور بعد حين منبثقًا من تحت قدميها، وانتشر كما تنتشر الموجة على سطح بحر هائج، واستمر الانتخاب الطبيعي يعزف مقطوعة الحياة على كوكب أرهقته الوحدة طويلًا.

ولم ندر إلا وألوان شتى من الطيور، جذبها ذلك المصدر الذي اشتعل بالحياة، أتوا ليروا تلك التي بعثت في كوكبهم حياة بعد موات.

وكما لم ننتبه –في بداية الرحلة- إلا عندما وُجدنا على المريخ، لم ننتبه إلا ونحن على كوكب جديد، وكوكب يليه، وكوكب يليه. واستمرت هي تنشر الحياة في جنبات الكون. فأينما حلت، فر العدم –عدم الحياة- هاربًا، وأتى الوجود مهرولًا.

لم ننس الأرض، أمنا التي لفظتنا. لقد صار الكون يعج بضجيج الحياة وجمالها. أما آن لنا أن نعود؟!

عدنا، ولم يكن هناك أرض، لقد ابتلعتها الشمس من مليارات السنوات. كانت تعاني الموت بينما كانت ابنتها تنشر الحياة. كم كانت سعيدة وهي تموت، وهي تعلم أن مبعوثتها نشرت حلاوة الحياة وروحها في كون صامت.

لم تبخل على الكون بالحياة، فأرسلت لهم الحياة متجسدة في أكثر الأحياء حياةً.وتلاشت هي في لهيب الشمس، فتحللت كل مكوناتها، ولم يبقَ من ذكرى الأرض إلا ذراتها.. ذرات لا تزال تختال بأنّها كانت جزءًا من بلايين الأجزاء التي كونت أرضًا مشى عليها يومًا ما مبعوثة الحياة، يوم لم يكن في الكون ،سوى الأرض، حياة.

لا زلنا مسافرين، لا زالت هناك بقع مظلمة، تنتظر نور الحياة، وكيف لا تنتظر وقد رأت ما فعلت الحياة بجيرانها؟!

أمّا أنا فطوبى لي، لقد اختارتني لرفقتها، فنجوت من التلاشي في غيابات العدم.. ويالها من رفقة!

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟