من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

one-two-three

جورج جاموف الأمريكي ذو الأصل الروسي.. عالم الفيزياء الكبير وصاحب المساهمات العظيمة في علوم الذرات والإشعاع والكونيات يقدم موسوعة .. فعلا موسوعة مبهرة وممتعة اسمها "واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لانهاية".. وفي حوالي ٤٥٠ صفحة من القطع الكبير ستنغمس في رياضيات وفيزياء وكونيات وكيمياء وبيولوجي بأسلوب لن ترى له مكافيء.




يبدأ جاموف كتابه، فيقول:
الذرات والنجوم والسدم وتعادل الطاقة والعوامل الوراثية، وهل يستطيع المرء أن يثني الفضاء؟ وسبب انكماش القذائف الصاروخية: كل هذه الموضوعات وغيرها مما لا يقل عنها طرافة سنتناولها في هذا الكتاب.
ولا أدري هل سهى الكاتب عن ذكر أول جزء عن رياضيات الأعداد الكبيرة واللانهاية ومعناها، وهو واحد من أمتع الأجزاء في الكتاب.
وفي ذلك الجزء يتجول الكاتب في بعض المصطلحات الرياضية الطريفة المثيرة للتفكير، فيبدأ مثلا بالقدماء وكيف كانوا يحاولون عد الأعداد الكبيرة. ثم يتجه لبعض القصص التي تروي تعامل البشر مع الأعداد في بعض الحضارات. فيحكي مثلا القصة الشهيرة العالم الهندي الذي اخترع لعبة الشطرنج، وأراد الملك أن يكافأه على اختراعه، فقال له ماذا تريد أن تكون مكافأتك؟ فرد العالم أن يأخذ يوضع على المربع الأول من مربعات الشطرنج حبة واحدة من القمح، والمربع الثاني حبتان، وهكذا، ثم يُجمع عدد الحبات ليأخذها العالم. ففوجئ الجميع أنه لكي يستطيعوا تغطية ذلك العدد هو محصول العالم كله من القمح لمدة ألفي سنة!
وهكذا يمضي في الجزء بذكر ما تعنيه التباديل والتوافيق، وبعض الأمثلة الطريفة عليها. ثم يناقش مفهوم رياضي عجيب مجرد، وهو اللانهاية.
الأعداد الزوجية لا نهائية، والأعداد بوجه عام لا نهائية، فهل يصح أن نقول أن لا نهائية الأعداد كلها، أكبر من لانهائية الأعداد الزوجية لأن الأعداد الزوجية جزء من الأعداد كلها؟ لو كانت إجابتك بنعم، فستعيد نظرك في إجابتك بعد أن تقرأ هذا الجزء من الكتاب، وتقرأ عن طريقة كانتور للمقارنة بين اللانهايات، وعمومًا كما يقول جاموف:
علينا أن نتذكر أن عملياتنا تشمل أعدادًا لا نهائية، وأن نتوقع أننا سنجد ىها خواص تخالف خواص الأعداد المنتهية.
ثم الأعداد التخيلية ونشأتها وما روي عنها بداية من اعتبارها مجرد رموز لا معنى لها، أو كما قال كاردان: أنها مفتعلة ولا معنى لها. وصولًا لبعض استخداماتها الفيزيائية، في نظرية النسبية مثلا.
نعم لم يكن ليتواجد كتاب بمثل روعة كتابنا دون أن يستفيض في الحديث عن نظرية النسبية، أعجوبة نظريات القرن العشرين.
فيبدأ بما قبل النسبية، الأثير مثلًا وكيف افترضه العلماء قديما لعدم تخيلهم إمكان تحرك الموجات الكهرومغناطيسية في الفراغ.. لابد في رأيهم من وسط يتذبذب. كان ذلك حتى جاءت تجربة ميكلسون مورلي الشهيرة التي قضت على افتراض وجود الأثير.
وهكذا يسرد لنا كيف كانت الإرهاصات الأولى لنظرية النسبية.. ثم يدخل لمغارة الأعاجيب النسبية، ليشرح نتائج نظرية النسبية الخاصة، من انكماش الأطوال (الفضاء)، وتمدد الزمن وغيرها.. ثم كان التعميم في نظرية النسبية العامة، حيث المثلثات التي يزيد مجموع زواياها أو يقل عن ١٨٠ درجة، حيث الفضاء المنحني بواسطة الكتل الكبيرة كالشموس وحيث الوصف الجديد للجاذبية كونها مجالًا وليست قوة كما وصفها نيوتن.
ثم في باب كامل «وهو الثالث» يستعرض جاموف شقيقة النسبية من أمهما الفيزياء الحديثة، وهي ميكانيكا الكوانتم والعالم الغريب الذي تصفه. ولم يكن هناك بدٌ من ذكر مقدمة تاريخية عن الذرات بداية من الفكر الإغريقي الذي اعتقد (إمبدوقليدس) برباعية الماء، والهواء، والتراب، والنار.. وأن كل المواد التي نراها إنما هي مزيج من هؤلاء الأربعة بنسب مختلفة، فالذهب الوهاج مثلا يحتوي على نار أكثر من الحديد، ومن تلك الفكرة قضى الخيميائيون آلاف الساعات لمحاولة تغيير تلك النسب لتحويل الحديد والنحاس وغيرها إلى الذهب الثمين.
وتعرض جاموف كذلك لنظرة ديمقريطس للذرة ذات الأشكال المختلفة كشيء غير قابل للانقسام.
وتعرض كذلك لنظرية أشكال الذرة، وهي نظرية تستطيع أن تقول أنها طريفة نوعًا ما إذ أنه افترض أن اختلاف خواص الذرات المتنوعة بسبب اختلاف أشكالها الهندسية. فالهيدروجين مثلا كروية، والصوديوم والبوتاسيوم بيضاوية، والأكسجين حلقية.. وكان إحلال الصوديوم أو البوتاسيوم محل الهيدروجين في الماء يُفسر بأن ذرات الصوديوم أو البوتاسيوم البيضاوية تناسب ثقب الفطيرة الأكسيجينية أكثر مما تناسبه ذرة الهيدروجين الكروية!
ثم يتناول الذرات بشكلها الأحدث، وطرق معرفة تعيين أقطارها، وإثبات وجودها أصلا.
ثم يبين جاموف الإرهاصات التي سبقت وضع الجدول الدوري الحديث، الذي كان نتيجة ملاحظة الكثير من العلماء حول تكرر الخصائص الكيميائية للعتاصر عندما تترتب بهذا الشكل، وصولا للعالم الروسي مندليف الذي وضع الجدول الحالي.
ولم يكن بدًا كما ذكرنا سابقًا من المرور على الكوانتم في واحد من أمتع أجزاء الكتاب. من الخواص الغريبة والعجيبة للجسيمات الصغيرة كالإلكترونات في تواجدها في أماكن كثيرة في نفس الوقت، وقاعدة اللاتعيين الشهيرة لهايزنبرج، والتي وضعت الطبيعة في شكب وتصور جديد.
وبالرغم من حديثه السابق عن الذرات إلا أنه خصص فصلًا خاصًا عن الكيمياء والجسيمات الأولية والذرات وما تحتويه من بروتونات متعادلة الشحنة، وكيف أشار رذرفورد إلى وجودها ثم اكتشافها فعلًا بعد ذلك ب ١٢ سنة. وتطرق أيضًا للحديث عن الأشعة بوجه عام، ثم أفرد جزء كبير للحديث عن الانفجارات النووية الضخمة المهولة، وكيف تُستخدم تلك العناصر البريئة في التدمير والهلاك، والفرق بين الاندماج والانشطار.
العشوائية أو اللانظام (كما تُرجمت) والديناميكا الحرارية والإنتروبي وعلاقة كل ذلك بالحرارة كانت موضع شرح ممتع من الكاتب في الفصل التاسع، ثم اتجه الكاتب للاحتمالات بقوانينها الغريبة وصدفها العجيبة، واحدة من تلك الأمثلة مثال شهير حول توافق أعياد الميلاد.. فتخيل أنك تمتلك ٢٤ صديقًا.. ترى كم زوجًا منهم سيتوافق عيد ميلادهم في نفس اليوم؟ والحقيقة أن هناك احتمال كبير أكثر من ٥٠٪ لحدوث ذلك فعلا. وكما يقول الكاتب نفسه:
«ومسألة أعياد الميلاد المتحدة التواريخ تعطينا مثالًا جيدًا على كيف أن الأحكام المبنية على الإدراك العام فيما يتعلق بدرجات احتمال الحالات المعقددة قد تجانب الصواب أخيرًا».
ثم كان لغز الحياة، اللغز الذي يحمل طبعا خاصًا لأنه يتعلق بنا، بحيواتنا نحن، ويبدأ بكل تأكيد بوحدة بناء الأجسام الحية وهي الخلايا وخواصها: الامتصاص، وتحويل ما تمتصه لغذاء، ثم الانقسام. وعمم تلك الخواص الثلاثة على الكائنات الحية فالأكل والنمو والتكاثر تشترك فيها كل الكائنات الحية المعقدة.
وينتقل للفيروسات التي تعتبر الحد الفاصل بين الحياة واللاحياة.
ثم ينتقل في حديث موسع حول قوانين الوراثة والجينات.
بأمانة، هذا الفصل «البيولوجي» لم يرق لي كثيرًا ربما للعداء القديم بيني وبينها.
ثم كان العالم الكبير.. الأرض ورفاقها من الأجسام الضخمة. لقد تصور الأقدمون الأرض على صور عديدة بعضها خالف ما أثبته العلم فعلا مثل كون الأرض قرص كبير منبسط في بحيرة ماء. إلى أن جاء كتاب الكون لأرسطو والذي قال فيه بكروية الأرض بعدد من الأدلة البسيطة مثل الطريقة التي تغيب بها السفن عن الأنظار، وخسوف القمر.
ويخرج الكاتب من المجموعة الشمسية إلى الفضاء الأرحب بنجومه ذات الأعداد المهولة. وضوئها ودورانها ومجراتها والنظريات المختلفة حولها، كاكتشاف تمدد الكون وتباعد المجرات بواسطة إدوين هابل. ومحدودية الكون رغم اتساعه وعدم وجود حدود له.
ثم كانت ولادة الكواكب السيارة ونظريات تفسر تلك الولادة مثل فرض بوفون الذي يقول بولادة النظام الشمسي من تصادم الشمس بمذنب بعيد، تقابلها فرضية كانت التي تقول أن المجموعة كلها تكونت من الشمس.
ثم انتهى الكتاب الرائع بشرح لدورة حياة النجوم وأطوارها وأحجامها وكيفية تحولها من تلك الأطوار لبعضها..


ملحوظات:
١- واحدة من مظاهر روعة كتاب «واحد إثنان ثلاثة لانهاية» روعة الأمثلة التي يستخدمها جورج جاموف في وصف المبادئ الرياضية أو الفيزيائية التي يشرحها.
في شرح الحركة البراونية يقدم مثال الرجل السكير ليشرح به حركة الجزيئات الاحتمالية.
كذلك في نفس الفصل يشرح الاحتمالات عن طريق لعبة البوكر الشهيرة.
وعلى ذكر البوكر، ذكر جاموف أن نيلز بور، الفيزيائي الكبير، كان قد اقترح أن تُلغى الأوراق تماما من اللعبة إذ أنه يرى أن اللعبة في أساسها سيكولوجي يعتمد على إيهام اللاعبين بأنهم يملكون أوراقًا أقوى مما هي عليه.
٢- الملاحظة الغريبة أن مكتبة الأسرة قد صنفت الكتاب ضمن كُتُب الإنسانيات وأخذ الكتاب لونها الذي لا أعرف له اسمًا (ربما أحمر بشكلٍ ما).. معقول لم يقرأ أحدهم الكتاب ليعرف أنه كتاب علمي، ينتمي لقبيلة الكتب البرتقالية في إصدرات مكتبة الأسرة؟!
وقعوا أيضًا في خطأ مشابه عندما كتبوا على كتاب «أعظم استعراض فوق سطح الأرض» - البرتقالي هذه المرة- أن مؤلفه اسمه تشارلز دوكنز.. وكرروا الخطأ في الجزأين!
عمومًا تقديمهم لكتاب بهذا المحتوى ولهذا المؤلف وبهذا السعر (٦ جنيهات) كفيل بأن يغفر لهم أي خطأ، وإن وجب التنويه.

مقتطف من الكتاب على شكل فيديو:

تعليقات

Popular Posts

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر