عبقرية آل كوري.. مراجعة كتاب هوس العبقرية




"سيكون شيئًا رائعًا.. لنمضي الحياة سويًا جنبًا إلى جنب، تأسرنا أحلامنا، حلمك البطولي وحلمنا الإنساني وحلمنا العلمي. ومن بين كل هذه الأحلام فإن الحلم الأخير هو الحلم المشروع الوحيد"
ربما لم يكن إنجاز ماري كوري الأكبر في اكتشافاتها التي جعلتها أوّل امرأة تحصل على نوبل، والوحيدة التي حصلت على جائزتي نوبل، وإنّما كان في قدرتها الغريبة على تجاوز كمّ من الصعوبات لا يمكن لإنسان عادي أن يتجاوزها، وفي وقت كان يُنظر للمرأة على أنّها كائن متدني الدرجة لا يصلح إلا للأعمال المنزلية.




وربما تكون هذه فرصة جيدة لبيان أهمية تدريس تاريخ العلوم، وسير العلماء بدلًا من دراسة المعادلات الجافة والقوانين التي لا نعرف ظروف اكتشافها، وهذا من وجهة نظري له أهميتان رئيسيتان:
أولًا: دراسة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتربوية لتنشئة العلماء كنوع من أنواع القدوة للدارسين.
ثانيًا: إضفاء جو تاريخي على المواضيع العلمية يُعطي لها بعدًا قصصيًا يزيل شيئًا من جفاف دراستها.
وبالعودة إلى كتابنا، فإنّ ماري (أو مانيا) كما كان اسمها البولندي الأول وُلدت في بيت كان يهتم بالعلوم خصوصًا والدها البروفيسور سكلادوفسكي الذي ربما كانت أدواته الفيزيائية واحدة مما ساهم في شغف ابنته بالعلوم، عندما رأتها وهي في الرابعة من عمرها. وفي ظروف مادية بل وسياسية صعبة (إذ كانت بولندا تحت الحكم الروسي، وكان البولنديون ممنوعين من تدريس اللغة والأدب والتاريخ البولندي) حاول الأب أن يمد ابنته بدراسة جيدة.
وربما كان سفرها فرنسا لاحقًا لم يكن سببًا في تغيير اسمها ل«ماري» فحسب، بل كان نقطة الانعطاف الأكبر في حياتها، إذ أن جو الحرية الذي وجدته هناك، والذي لم تكن معتادة على وجوده، كان له تأثير كبير على حياتها بعد ذلك. والتقت كذلك بزوجها بيير لاحقًا، وبدأت مرحلة جديدة تمامًا وصلت إلى حصولها على نوبل كأول امرأة تحصل على الجائزة المرموقة بعد معارضة شديدة كان سببها الأساسي أن ماري امرأة، لا تستحق نيل الجائزة. وربما لم تكن لتحصل على الجائزة فعلًا لولا إصرار بيير على ذلك، ثم نوبل الثانية لاحقًا.
إيجابية أخرى كانت من إيجابيات الكتاب، وهو التركيز الشديد على الجوانب الشخصية النفسية لماري كوري من خلال عدة مواقف وأزمات اكتئاب أصابتها على طول مشوارها، مرورًا بوفاة زوجها في حادث حمّلت نفسها وزره. وأيضًا لم تنس الكاتبة ذكر الأزمة الكبيرة التي تعرضت لها ماري عندما وقعت في غرام عالم يصغرها سنًا، وشجعته على الانفصال من زوجته، ونُشرت الخطابات التي كانت تشجعه فبها على الانفصال، وسببت لها أزمة كبيرة جدًا أثرت على سمعتها.

الكتاب قصة جميلة، قصة إصرار وإخفاق ونجاح في وقت كانت المرأة تُزدرى بشكل لا يسمح لأي امرأة عادية حتى أن تنال تعليمًا مرضيًا.

الكتاب مذهل بصراحة..
ضعه مع كتاب داروين مترددا (الذي أصدرت مكتبة الأسرة ترجمته العربية هو الآخر)، تحصل على ملخص لفترة من أخصب الفترات في تاريخ العلم، من النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين، وهي فترة شهدت اضطرابات سياسية واجتماعية كان لها تأثير كبير على مسار العلم، وتأسست فيها الكثير من الفروع العلمية التي أوصلتنا لما نعايش اليوم من تكنولوجيا متقدمة..
آل كوري، داروين، هكسلي، لامارك، فاراداي، بلانك، بيكريل، رذرفورد، ولحق بهم مؤخرًا أينشتاين.. وغيرهم.. كلهم عاشو في تلك الفترة الخصبة.


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟