في يوم من أيام نيسان الباردة، مراجعة لرواية "1984" لجورج أرويل

1984
فإذا كان كل من الماضي والعالم الخارجي لا يوجدان إلا في أذهاننا، وإذا كانت أذهاننا نفسها يمكن التحكم فيها، فماذا ستكون نتيجة ذلك؟


كنت دائما ما أقول أنّ الخيال يمكنه أن يعبر عن الواقع بطريقة لا يستطيع الواقع نفسه أن يعبر بها عن ذاته. وعندما قرأت تلك الرواية (1984)، تأكدت مما ظننت.
والتعبير عن الواقع لا يشمل فقط وصفه كما هو موجود، بل يشمل وصفه بطريقة تجعلنا نتنبه لما يمكن أن يؤول إليه لو استمر ذلك الواقع واقعًا.
إن رواية 1984 (وهي درة تاج روايات ديستوبيا الخيال العلمي في القرن العشرين) تعدّ من تلك الروايات التي عندما تصل لنهايتها لا تعرف أتحزن أم تفرح. هل تفرح لأنّك تخلصت من بؤسها؟ أم تحزن على أنّ رواية بتلك الروعة والجمال قد انتهت، ولا تعرف متى ستقع على رواية تماثلها في الروعة؟
الحقيقة، أريد التحدث عن الرواية من جوانب كثيرة، أريد مناقشة الأحداث معكم وسرد التفاصيل وربطها، لكن من جانب آخر لا أريد الإسهاب في الحديث حتى لا تقع من كلمة أو جملة تساهم في حرق حدث أو أحداث من الرواية.

رواية 1984 هي رواية كتبها كاتب اسمه "إريك آرثر بلير"، ومعروف باسم آخر وهو جورج أرويل، وهو بريطاني مولود سنة 1903، ومتوفى سنة 1950. ونشرت الرواية عام 1949.
تتحدث الرواية عن مستقبل كئيب، في عام 1984. وهو مستقبل بالنظر إلى تاريخ كتابة الرواية طبعًا. وفي ذلك العالم هناك أربع دول رئيسية وهي: أوشبينا، وتشمل نصف الكرة الغربي وجنوب أفريقيا واستراليا. أوراسيا: وتشمل أوروبا وجزء من آسيا. ثم هناك أيضًا إيستاسيا: وتشمل الصين واليابان وبعض الدول الأخرى.
ومسرح الأحداث هنا هو أوشينيا، حيث نقابل البطل وهو وينستون سميث، ويعمل في قسم الوثائق في وزارة الحقيقة، ووظيفته ربما تراها غريبة نوعًا ما، وهي التأكد من توافق الوثائق من الموقف الذي يتبناه الحزب الحاكم، والحزب الحاكم يزيل أي اسم من التاريخ بإزالته من الوثائق، بل ومن أدمغة الجماهير بوسائل فعالة ستعرفها في الرواية، فيغير التاريخ كاملا بحسب ما يرى، ويمكن أن يتغير موقف الحزب فيزيلون أشخاص أو أحداث بعد أن أوجدوهم.
الحكومة تراقب الأفراد مراقبة شديدة حادة، تراقب حتى أفكار الأفراد ليس أفعالهم فحسب، مستخدمة العلم والتكنولوجيا الحديثة في تلك الأغراض.
الأحداث تتصاعد في حياة البطل بعد أن يحاول أن يعرف أكثر مما ينبغي عن التاريخ، فيقابل زميلة تدعمه في أفكارة، وتستمر الأحداث في التصاعد.

تقسيم العالم كما في رواية 1984

إنّ منبع روعة الرواية –من وجهة نظري- إنما هو في إقناع القاريء بأنّ كل الأحداث المأساوية الموجودة في الرواية إنما هي محتملة الحدوث.
كل الأعمال الفظيعة التي ترتكبها الأنظمة الشمولية.. كل الأعمال ستجد لها تبريرًا وفلسفة وتنظيرًا، وكل الأشياء التي تبدو من المتناقضات ستُحشر في عقلك جنبًا إلى جنب لا تتنافر مع بعضها، بل ستحاول تنسيقها، وستطرد كل ما يمكن أن يؤدي إلى أدنى تنافر بينها. وكل ذلك يتم بأساليب ممنهجة لا تُخضعك خوفًا أو لابتغاء مأرب من أصحاب السلطة، بل لأنك ستقتنع راضيًا، وقلبك قرير بما تعتقد، عما يُراد منك أن تقتنع به. فجلّ الجوانب النفسية للاستعباد والجوانب الفلسفية للتبرير ستجدها بين سطور الرواية.

هل تعتقد أنّ عالًما مثل هذا العالًم إنّما هو بعيد؟ أعتقد أنّ هناك أطنانًا من الأسباب في تلك الرواية ستجعلك تعيد التفكير في ذلك. فمع كل مناقشة، سرد، أو حتى وصف، ستبهت كل قناعاتك بوجود خطوط حمراء لا يُمكن لبشريّ أن يتعداها.
في عالم يرى حكامه أن الحب جريمة، ويراقبونك حتى فيما تُفكر، وسيقنعونك أن 2+2=5، ويُستغل فيه العلم والعلماء وما أنتجوا من تكنولوجيا للسيطرة التي لا مناص منها على الشعوب، وفي يوم من أيام نيسان الباردة، تبدأ "1984" للإنجليزي جورج أرويل.


تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟