غزو المريخيين... مراجعة لرواية حرب العوالم هـ.ج.ويلز


ربما فعل أحد طيور الدود المنقرضة في عشه في جزيرة موريشيوس مثل ما أفعله الآن، وتحدّث عن وصول هؤلاء البحّارة قساة القلوب في سفينتهم بحثاً عن حيوانات يطعمونها. "سوف ننقض عليهم بمناقيرنا غدًا حتى نقضي عليهم يا عزيزتي".

س: لماذا يجب أي يوضع ويلز في قائمة أعظم كُتّاب البشرية؟
ج: اقرأ روايتي "آلة الزمن" و"حرب العوالم".

في "حرب العوالم" يواجه ويلز البشرية بأقبح صفاتها، صفات لم تكن لتظهر إلا في وقت من تلك الأوقات التي يهجم فيها مرّيخيون متقدمون على أعظم مدن العالم وأقواها ساعتها "لندن".
لقد جرّدنا ويلز في تلك الرواية من مظاهر حضارتنا المصطنعة، وأعادنا لطبيعتنا الغريزية. فعندما يتعلق الأمر بالحياة والنجاة من الموت، فلا مباديء حينها تحكم، ولا قوانين تُحترم. هذا نحن، هؤلاء البشر.
ويلز في حرب العوالم لم يكتف بوصف الهجوم المريخي وكيف انتهي، والتقنيات التي استخدمها المريخيون للسيطرة على البشر، ويلز أحاط بعدة مواضيع في ثنايا رحلة البطل في البحث عن زوجته:
1- العلوم: هناك جرعة جيدة جدا من العلوم.. في التقنيات التي استخدمها المريخيون، الأشعة المركزة (الشعاع الحراري) والذي يراه بعض العلماء الأب الروحي لأشعة الليزر التي ظهرت بعد كتابة الرواية بحوالي نصف قرن.. وأيضًا الدخان الأسود.
2- الدين: وصف ويلز ترابط الدين بالكوارث في موضعين مهمين في الرواية، الأوّل عن أولئك الذين رؤوا أن الهجوم المريخي هو عقاب إلهي ولا يجوز تصديه ومقاتلة رسل الإله! والثاني في حواره الأكثر من رائع مع "الرجل الذي قابله على تل بيوتني" حول التدين الخانع الذي سيهرب له البشر.
3- فلسفة البقاء: في نفس الحوار مع "الرجل الذي قابله على تل بيوتني" (وهو أكثر حوار قرأته أعجبني في رواية) ظهر جليا تأثر ويلز بالانتخاب الطبيعي والتطوّر الدارويني، وظهر أيضًا تأثره باليوجينيا (تحسين سلالة الجنس البشري).
4- دونية الإنسان: كان يركز دائمًا على أن الإنسان لابد أن يخرج من تلك المحنة بنتجية مفادها أن عرشه الكوني قد اهتز، نحن لا شيء فيما يخبئه لنا الكون، فقد وصفنا بالنمل، الأرانب، والطيور التي لا حول لها ولا قوة.
5- التشريح: وصف ويلز أجساد المريخيين وصف تشريحي ممل، وكيف أدى بهم التطور لتلك النقطة التي يستفيدون عندها بأكبر طاقة ممكنة، ويقارنهم بالبشر الذين في طريقهم -في أغلب الأحوال- لأن يُصبحو مثلهم.

ثم النهاية التي يبدو منها تأثره الشديد بالتطور والانتخاب الطبيعي. والحل الذي جاءنا من حيث لا ندري..

بالنسبة للصورة:
هذه الصورة أصدق ما رأيته من صور تُعبّر عن الرواية.. لم أرها تُعبّر عن مشهد واحد. بل عن حال البشر في مواجهة هذا الكرب الكبير: اختباء في مكان مهجور من بطش المريخيين، وبطلنا هنا يمثل البشر الذين ارتكبوا في تلك الحرب مع بعضهم الفظائع، ثم يجلس مفكرًا فيما فعل توًا. حتّى الحل في النهاية لم يكن مِن قِبل البشر.
Henrique Alvim Corrêa, The War of the Worlds, 1906

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر