خاطرة عن الفيزياء والجمال من وجهة نظر العلماء


"وجود الجمال في معادلات العالم أهم من جعل هذه المعادلات تنطبق على التجربة"
بول ديرك

الجمال، ما غيره يستطيع أن ينتزع منّا الآهات، ويصيبنا بأحاسيس نتمنى لو لازمتنا أبد الدهر؟ هو منتهى كل الرغبات، وغاية الفنون ووسيلتها. وكذلك –ولا تعجب- هو محرك أساسي من محركات الاكتشافات الفيزيائية.
عندما كان في السادسة والعشرين من عمره، وفي عامه المُعجِز 1905، صاغ أينشتاين واحدة من النظريات الفيزيائية الأعظم على مدى تاريخ البشرية وهي نظرية النسبية الخاصة[1] وقال بخصوصها:
"لقد صيغت النسبية بسبب التناقضات العميقة والخطيرة في النظرية القديمة (يقصد نظرية نيوتن)، والتي بدا أنه لا مهرب منها. قوة النظرية الجديدة (أي النسبية) تأتي من اتساقها وبساطتها في حل كل تلك الصعوبات باستخدام عدد قليل من الفرضيات البسيطة والمقنعة".[2]




فالبحث عن "الجمال" في النظرية الفيزيائية أصبح شيئًا أساسيًا تصبح به النظرية صحيحة أو خاطئة، فـ "الجمال هو الفيصل" كما يقول جورج طومسون George Thomson صاحب نوبل في الفيزياء.
وأينشتاين دائما كان يرى أن النظرية العلمية لابد أن تكون بسيطة وأنيقة و"جميلة" في افتراضاتها لكي تكون صحيحة، ويتفق مع دي برولي الذي يقول: 
"كان الإحساس بالجمال في كل عصر من تاريخ العلوم دليلا يهدي العلماء في أبحاثهم".

والجمال الذي نقصده إنما هو جمال التناسق والتماثل الموجود في الطبيعة والذي يُضفَى على النظريات التي تصف أحداثها وتربطها ببعضها البعض.
في مقابلة مع الفيزيائي الأمريكي "فرانك ويلكزك" Frank Wilkzec مع جريدة ديرشبيجل الألمانية، يتحدث الرجل الحاصل على نوبل في عام 2004 عن الفيزياء والجمال، فيقول ان البحث عن الجمال في النظريات التي عمل عليها ساعده كثيرا في أبحاثه. وإجابة على سؤال: "ما الجميل في الفيزياء؟" يرد الرجل بقول:
"ألا تجد أنه من المثير للانتباه أن نلاحظ أن القوانين التي تحكم الآلات الموسيقية يشابه إلى حد كبير تلك التي تصف الأحداث داخل الذرة مثلا"

وهذا التناسق بين مكونات الطبيعة وعدم الشذوذ، يدفع دوما لمزيد من الاكتشافات.[3]
وأختم لكم بمقولة لـ"شرودنجر" عن نظرية النسبية العامة: "إن نظرية أينشتاين المذهلة في الجاذبية لا يتأتى اكتشافها إلا لعبقري رزق إحساسًا عميقا ببساطة الأفكار وجمالها".[4]

[1] نظرية النسبية بشقيها –العامة والخاصة- تعد من أعظم النظريات الفيزيائية كونها سببت تغييرات عميقة في فهمنا للزمن والفضاء. فهي أكبر من مجرد نظرية تصف حادثة طبيعية، بل تعدت تأثيراتها الفلسفية ما للنظريات الأخرى من نصيب من تلك التأثيرات، اللهم إلا لو كانت الكوانتم شقيقتها.
[2] A. Einstein and L. Infeld, The Evolution of Physics, New York, Simon and Schuster, 1961
[3] Nobel Physicist Frank Wilczek: 'The World is a Piece of Art', www.spiegel.de/international/physicist-frank-wilczek-interview-about-beauty-in-physics-a-1048669.html
[4] اعتمدت في مقولات العلماء بخصوص الجمال في العلم- بشكل كبير- على كتاب "العلم في منظوره الجديد"، روبرت أجروس وجورج ستانيو، سلسلة عالم المعرفة، كتاب رقم 134، المجلس الوطني للثقافة والفنون-الكويت.

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون

عُبّاد الآلة... مراجعة لرواية «الآلة تتوقف»، إ. م. فورستر