العصر الذهبي.. مراجعة لكتاب" تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه"، د. عبدالحليم منتصر


وكانت بعض حجرات المكتبات تخصص للنسخ، وبعضها للدراسة، وبعضها للموسيقى يلجأ إليها المطالعون للترفيه وتجديد النشاط.

إنّ الناظر لتاريخ العرب من القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر – وهي قرون ذروة المجد العلمي العربي- سيجد حتماً وصفة سحرية ونموذج يُحتذى به، وخطوات تفصيلية لكيفية أن تكون أمّة متقدمة ذات باع علمي، وبالتبعية اقتصادي وعسكري واجتماعي.
كانت الترجمة –كما لا يخفى على أحد- هي البداية.. كل الكتب التي يقع عليها المُترجمون تترجم.. من لغات عدة إلى اللغة العربية. وبلغ الأمر ذوته في عصر الخليفة العباسي المأمون الذي كان عالما مثقفاً منفتحا..




اهتم المأمون بما يمكن أن نسميه "مكتبة" في العصر الحالي .. وهي مكتبة بيت الحكمة التي أنشأها من قبله هارون الرشيد في بغداد.. كانت الكتب في عصره –أي المأمون- تأتي في لغات متعددة منها اليونانية والهندية والقبطية والفارسية والآرمية لتلك المكتبة الضخمة من بلاد شتى من بلاد الروم ومن القسطنطينية وغيرها ثم تترجم في بيت الحكمة ليقرأها الراغب.
كانت تلك نقطة الانطلاق التي بدأ الاهتمام بالعلوم فيها يتشعب ويأخذ أشكالًا عديدة منها إنشاء مكتبات أخرى (وكان اهتمامهم بالمكتبات يفوق كل وصف) ومدارس وجامعات لاحقاً، وبدأ أصحاب العلوم يأخذون مكانًا مرموقًا بالنسبة للخلفاء الذين أهتموا برعايتهم وكفالتهم ماديًا وتوفير احتياجاتهم، لدرجة أن المتفوق من الصبيان كان يسير في موكب خاص راكبا حصانه، يطوف بشوارع المدينة ونثر عليه الجوز واللوز، مما رغب الفتيان خصوصا في العلم والعلوم.. لتبدا مرحلة الإضافات، وهي المرحلة التي أضاف فيها العرب لبناء العلم ما لا يمكن إنكار أثره.

إن الكتاب يمثل خريطة زمنية لتعامل العرب مع العلوم، ويسبقها بإشارات للعلوم اليونانية والسكندرية كبناء أكمل عليه العلماء العرب.. ثم يطوف الكاتب بنا في سيرة كثير من العلماء العرب الذين أثّروا في مسار نهر العلم، كالخوارزمي وابن الهيثم. وكذلك يخصص فصلًا للكتب الشهيرة، منها "الجبر والمقابلة" للخوارزمي، و"الحيوان" للجاحظ و"القانون" لابن سينا.
ثم كانت المشكلات السياسية ودخول التتار بغداد وحرق دار الحكمة، ثم الترك وسيطرتهم على الوطن العربي، وبعد ذلك عصر الاستعمار الحديث، الذي كتب النهاية المأسوية لتلك القرون المضيئة.

أما المؤلف د. عبدالحليم منتصر، فقد كان عميدًا لكلية العلوم جامعة عين شمس في منتصف القرن الفائت، وكان له اهتمامات علمية، حتى أنه اشترك مع بعض زملائه لإنشاء مجلة علمية اسمها "رسالة العلم" في عام 1924 لم يكتب لها الاستمرار طويلا للأسف.

الكتاب جميل جدًا، وثري بالمعلومات.. لابد من التروي في قراءته..

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟