لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟

Scientific-thought

“العلم يظهر منذ اللحظة التي يقرر بها الإنسان أن يفهم العالم كما هو بالفعل، لا كما يتمنى أن يكون.” -د/فؤاد زكريا
في 344 صفحة كتب الدكتور والفيلسوف “فؤاد زكريا” كتابًا من أروع الكتب وأكثرها إفادة (بالنسبة لي)، ألا وهو كتاب “التفكير العلمي” الذي صدر في العام 1977، وطبعه “المجلس القومي للثقافة والفنون والأدب” في الكويت  ضمن سلسلة عالم المعرفة.

من هو فؤاد زكريا؟

فؤاد زكريا هو دكتور وفيلسوف مصري الجنسية، من مواليد محافظة بورسعيد في عام 1927، تخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ونال درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة عين شمس، حيث عمل أستاذا ورئيسا لقسم الفلسفة حتى عام 1974.
ترأس تحرير مجلتي الفكر المعاصر وتراث الإنسانية في مصر، وله العديد من الكتب والمقالات المنشورة في الفلسفة والفن، ومن أشهر مؤلفاته: “الإنسان والحضارة”، والكتاب الذي بين يدينا “التفكير العلمي”.
إذا، ما الذي يدفعني للقول بوجوب تدريس الكتاب في مراحل التعليم الأساسي؟
تجمعت في الكتاب عدة مميزات جعلته منهجا مثاليا للطلاب في سن المراهقة خصوصا، الإعدادية والثانوية.
وننوه هنا لنقطتين ربما تكونان مثار اختلاف مع كاتب المقال.
النقطة الأولى: ربما يكون هناك من الكتب ما هو أثرى بالمعلومات من كتابنا هذا، أو ربما يكون هناك كتاب ثان أشمل من كتابنا. أو ربما تميز كتاب ثالث بالتركيز، أو رابع تميز بالوضوح، أو.. أو…
أما كتابنا هنا فهو عبارة عن كتاب متوازن جمع بين كل تلكم الخصائص الفريدة ولو بدرجة أقل، ما دفعني لترشيحه لتلك المهمة الصعبة.
النقطة الثانية: أنا لست خبيرا تربويا، أو فيلسوفا، أو حتى كاتبا عاديا.
“إذا، ما الذي يدفعني لقراءة مقالك السخيف؟” هكذا أسمعك تفكر!
كل ما هنالك أنني مررت بتلك المرحلة الدراسية كملايين طلاب الوطن العربي، وعندما قرأت الكتاب، تخيلت ما كان سيوفره عليّ وعلى زملائي من الطلاب من تشرذم، وتمسك بأفكار بالية. تخيلت كذلك تأثيره من حيث تشكيل عقلية تستطيع استيعاب كل ما هو جديد بطريقة نقدية موضوعية غير منحازة. كانت ستؤدي بهذا الجيل الذي أصبح الآن في أوج شبابه لنتيجة أرقى، ولا ريب، من الذي نعيشه الآن في ظل أوطان تمزقت بين ألاعيب السياسة، وانحدار الفن، وهبوط الثقافة لدرجات لا يؤمل بها صعود قريب.

وأظنّك ستوافقني الرأي بعدما تقرأ كتابنا المنشود.
“العقلية العلمية يمكن أن يتصف بها الإنسان العادي، حتى لو لم يكن يعرف نظرية علمية واحدة.” –د/ فؤاد زكريا

ما الذي ميّز الكتاب إذاً؟

أولا: المحتوى

الكتاب احتوى على عدد كبير من الموضوعات المتصلة بالتفكير العلمي سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، ما يسهم في خروج القارئ بإحاطة شاملة للموضوع من جوانب عدة. فبدأ كاتبنا بسمات التفكير العلمي والتي تميزه عن طرق التفكير الأخرى، أتبعها بالعقبات التي تعوق التفكير العلمي، ثم اتجه لجانب تاريخي وهو النقاط الأساسية في طريق العلم من اليونان للعصور الوسطى للعصر الحديث، وما ميز طريق التفكير والنظرة للعلم في كل تلك العصور، ثم اتجه للعلم والتكنولوجيا، فعرّف التكنولولجيا ودورها وتاريخها، وتحدث كذلك عن الوضع الحالي للعلم، وأردف بتأثير العلم وتأثره بالوضع الاجتماعي. ثم ختم الكتاب بحديث مقتضب حول شخصية العالم وما يميزها من صفات، ثم، وفي نفس الفصل، تحدث عن الأخلاق وارتباطها وتأثرها وتأثيرها على العلم.
كل تلك الموضوعات ربطها الكاتب في تسلسل واضح، حيث ستجد أن كل موضوع يدفعك دفعا للموضوع الذي يليه لتكتمل لديك نظرة شاملة للموضوع، وصولا للهدف الذي ابتغاه الكاتب.

ثانيا: السهولة والسلاسة

حسنا، طالما نتحدث عن طلاب مراهقين، فنحن في غالب الأمر لا نتحدث عن مثقفين بارعين يستطيعون استخراج بواطن الأمور من جمل فلسفية صعبة، أو إسقاطات مبهمة، وهذا تميز به الكتاب بدرجة تستغربها خصوصًا ولو كان الكاتب أستاذًا (بل ورئيس قسم) في الفلسفة! والسهولة -في رأيي- اتضحت في نقطتين:
الأولى: سهولة التعبير عن الفكرة نفسها، وسلاسة الانتقال بين الأفكار، وهذا يسهل إدراك الفكرة ومعناها من قبل القارئ دون الحاجة لتركيز شديد.
الثانية: سهولة اللغة وانسيابيتها. فلم نجد ألفاظا صعبة غير مفهومة، أو جملًا مركبة تركيبا لغويا صعبا أو مصطلحات من تلك التي تملأ صفحات كتب الفلسفة والمنطق أو حتى الكتب التي تبسطها من قبيل المهلبوجيا، والبدنجانولوجيا وما شابه.

ثالثا: التشويق والمعلومات الغزيرة

الفضول وحب المعرفة والشراهة للمعلومات الجديدة تميز فترة المُرَاهَقَة بدرجة كبيرة جدا بالنسبة إلى باقي المراحل العمرية.
في كتابنا، كانت المعلومات التاريخية والعلمية حاضرة بطريقة جاذبة وممتعة جدا، فكان هناك الغريب والطريف والجديد والتاريخي، وكل معلومة تخدم السياق الذي وُضعت فيه، فلم يسهب الكاتب في المعلومات بقدر يحرف القارئ عن هدف الكتاب الأساسي، ولم تكن المعلومات جافة منفصلة في فقراتها، بل كانت كل معلومة جزءًا من كل متكامل يصب في بحيرة الهدف الواحد للكتاب.
“أعظم ما يفخر به العلم الإسلامي، إضافة معنى جديد لم يكن يلقى اهتماما بين اليونانيين، وهو استخدام العلم من أجل كشف أسرار العالم الطبيعي والسيطرة عليه.”- فؤاد زكريا

رابعا: تقسيم الموضوعات لأفكار محددة

أتذكر عندما كنت أذاكر، خصوصا المواد النظرية، كنت أجتهد بقدر الإمكان في ترقيم أفكار الفصل المتداخلة حتى يسهل استذكارها عن طريق حفظ عناصر محددة مرقمة، أو عن طريق الخرائط الذهنية مثلا.
هنا في الكتاب، لن تحتاج لعمل هذا. فكل فصل مقسم لنقاط، وكل نقطة مقسمة لنقاط فرعية، وكلٌ مرتب ومنسق ومرقم. حتى لو حولتها لخرائط ذهنية، ستجد الموضوع أسهل مما تتخيل. حتى الأفكار التي يتعرض لها الدكتور في سطرين أو ثلاثة، ولا تحتاج لترقيم الأجزاء، ستجد ألفاظ الجملة وكأنها تقول لك (انتبه فكذا ينقسم لكذا وكذا).

التفكير العلمي3 خريطة ذهنية بسيطة للفصل الثاني: عقبات في طريق التفكير العلمي - طبعا لا أحتاج لأن أعتذر عن رداءة الخط

إذًا نحن هنا أمام كتاب استثنائي، قلما وُجد مثله في مكتبتنا العربية.
وفي حال وافقتني أو خالفتني في رأيي الذي ربما تراه متعصبا بشكل ما، لابد أنك ترى معي أن تدريس مثل هكذا كتاب كان ليؤثر بشكل ما على تفكير طيف كبير جدا من شباب الأمة. فقط لو تم تدريسه بطريقة صحيحة؟

وأختم بقول الدكتور فؤاد زكريا في نهاية كتابه:
“إن اتجاه الإنسان نحو العلم ينطوي على قدر كبير من التضحية: التضحية بالراحة والهدوء والاستسلام للخيال السهل الطليق”.
نُشر هذا المقال لي في موقع ساسة بوست بتاريخ 9 يناير 2015




تعليقات

إرسال تعليق

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟