طريف الأنباء في انقطاع الكهرباء

بينما نحن جلوسٌ مع ابن أبي الحسب نتجاذب أطراف الحديث على ناصية شارعنا الخاوي، وتحت ضوء القمر الفضي، بعد أن انقطعت الكهرباء عن زيارتنا منذ أمد ليس بالقريب، فأصبحت كالقافلة التي خرج عليا قطاع الطرق، فقتلو رجالها وسبوا نساءها، فلم يعد الناس يرجون لها قفولا. فإذ بالرجل يقصُّ حبل حديثنا بقوله: "أولا أُخبركم من عجيب الأنباء خبرا؟"
ساد بعدها صمت لبرهة قبل أن نرد: "بلى يا ياسر، فلم نعلم من أخبارك إلا كل ما هو عجيب. فلتخبرنا .. وها نحن منصتون"
فاعتدل في جلسته بعد أن كان متكئاً، وتهيأ لحديث يبدو أنه سيكون طويلاً.
ثم ران الصمت مرة أخرى، وتعلقت عيوننا بصديقنا القاصّ .. فبدأ يحكي .. وأي حكايات تلك التي يحكيها!!
فقال: "ذات مرّة .. طال شَعري ووددتُ لو هذبته .. فهممت بالذهاب للحلاق لأفعل، مستغلاً وجود الكهرباء .. هذا عندما كان لنا من حبها نصيب، فكانت تزورنا سويعات في اليوم والليلة."
ثم أردف بعد أن تنهد: "ذهبت لحلاقي المنشود، فوجدت دكانه خاويا على عروشه من الزبائن كما توقعتُ تماما، وللعجب، من صاحبه أيضا! .. فلم أره هناك في دكانه.
وحلاقي هذا ردئ الصنعة، غزير الكلام، يفتي فيما يعرف (وهو قليل) وفيما لا يعرف.. تخرج الكلمات من فمه سيولا، فيُخيَّل إلى السامع أنه لن يتوقف ولو بعد دهور."

وإذ بابن عيد، وقد كان مقابلا في جلسته لصاحب الحديث، إذ به وقد أكل وحش الفضول صبره، فقال متحاذقا: "إن كان ذلك الرجل منعوتا بكل ما قلت، فلمَ تَحْلق عنده؟ ... تبا لمنطقك يا ابن أبي الحسب!"
عندها علت ابتسامة خفيفة مُحيا قاصّنا، تُنْبئ عن توقعه لذلك السؤال .. خصوصا من ذاك الفهلوي .. ثم رد: "نعوته السيئة تلك هي ما جعلني أقصده، فغالبا لا أجد أحد عنده كما أسلفت، فأقضي حاجتي وأعود لبيتي في وقت بسيط في طوله".
فعلت الهمهمات المتعجبة من الحكمة البالغة، وكان لسان حالهم" نعم الحكمة ونعم الحكيم"... ورُبط لسان ابن أبي عيد بعدها، فلم يستطع للحديث سبيلا.

أكمل قاصُّنا ما بدأه: "انتظرت الحلاق في دكانه، مسليا نفسي بالعبث في أدواته العتيقة... حتى أقبل بعد بعض ساعة، فوجدني منتظرا إياه .. فهش لرؤيتي، وانفرجت أساريره بعد انقباض ... وبدأ سيله المعهود من الكلمات. ثم بدأت ماكينته الكهربائية رحلتها على رأسي المسكين، بعد أن جلست على كرسيه الدوّار.
فما كادت تلكم الماكينة أن تسير خطواتها الأولى، حتى انطفأت الأضواء معلنة عن غياب غير مقدر الوقت لضيفتنا العزيزة .. الكهرباء. وكأنني برأسي أسمعها تشكر ربها بعد أن أجّل عذابها تحت تلك اليد التي لا تعرف للدقة طريقا. ولكن أبت تلكم الماكينة إلا أن تعاود أزيزها البغيض فوق رأسي .. فقد كانت تعمل شحنا!"
ساد الصمت مجدداً .. ثم عاود محدثنا كرّته قائلا: "ماذا سيفعل الحلاق ولا ضوء يصلح لحلاقة؟ ... أسمع هذا السؤال يدور في عقولكم! ... نعم ... لقد أضاء صاحبنا شمعتين ووضعهما أمامي، فبدا منظري في المرآة كعِفريت معتوه ... واكتملت جلستنا الشبحية تلك عندما أشعل ثالثة وأمسك بها بيده ثم أخذ يدور حولي، فكان منظره بتلك الشمعة كمشعوذ يلقي بتعويذة بلهاء على شخص يسكنه قاطني وادي عبقر كلهم. وبدأ مسلسل العبث مرة أخرى برأسي الذي فقد كل أمل في رحمة كانت قريبة.... وانتهى أخيرا من حلاقته لرأسي التي لم يكن يرى منها شيئا على أغلب الظنّ... ذهبت بعدها لصلاة العشاء، إذ كان قد أذن لها منذ دقائق ... وإذ بالكهرباء وقد عادت لزيارتنا، منيرة طرقات قريتنا المحبوبة..
كل ما أتذكره الآن هو نظرات من منتظري الصلاة لرأسي تكاد تخرقها .. ضحكات مكتومة.. وإشارات بالأيدي لرؤسهم تنبهني لشئ لم أتبينه إلا بعد أن خرجت من المسجد فوجدت صاحبنا ينتظرني أمام دكانه مناديا إياي ... مشيرا إلى أن رأسي قد أصبح مثل جزر الباهاما، متعذرا بضعف بصره الذي لم ير بسببه رأسي المُشوّه"
أكمل قاصّنا جملته الأخيرة، ولم نشعر بجلستنا إلا وقد انفضت بفعل أقدام القوم .. حركات هنا وجري هناك .. أصوات متداخلة وزغاريد مجلجلة. فذُهل الجميع، ونظروا للطريق الممتد أمامهم، وعاود كل منهم نظرة لأخيه..

هل هذا يحدث فعلا؟! أم أن عقولنا خذلتنا بضلالات لا وجود لها؟ ...
سمعنا التهليل والتكبير قادما من كل اتجاه .. فعُزِز شعورنا بأن ما يحدث لهو الحق وأننا نرى بأم أعيننا النور وقد ملأ الدنيا بشرا..
عاد زائرنا القديم المنتظر ... الكهرباء..

وما أن استوعب كل منّا الحقيقة حتى هرول متجها إلى بيته ليراه بوضوح قد افتقده منذ أمد..
وشرع الجميع يغني:

أيا غائــباً طال منه الــنَّوى *** أمـا آن للقـربِ أن يُـنـتوى

ظلامٌ طــغى لا يُرى غــائباً *** بلقياك قد حلّــنَا وانْطَوى

فكم من بصيرٍ بدا واثقا *** وفي حفرةٍ ،لا تُرى، قد هوى

وكم من صَغير بَغَى شَربة *** من الماءِ، ثم ارتوى بالدوا

وهـذا حبيـبٌ غدا زائـــرا *** وفي ظلمــةٍ عضّه ما عَوَى

فكـلٌ هنا ماكــثٌ سـاكنٌ *** سريرٌ وثيــرٌ عليــهِ استوى


ياسر أبوالحسب 2014

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟