أشباح دون ذرية

subatomic ghosts

تجتاز عابرة ويُسرع عابر *** وتمر أشباح يواريها الدجى -إبراهيم ناجي

لا نراها وإن كان تأثيرها عظيم. أجسام في صغرها بلغت الحد، أرّقت في دراستها العقول، فغصنا في ملكوتها، وحاولنا اقتحام عوالمها، وعدنا بالشئ اليسير. وما خفي كان أعظم. ثلاثة من هذه الأشباح قد اخترنا، وعنها سنتحدث، لنحاول أن نعرف عنها ما عرف غيرنا، ولنرَ ... ما تفعله بنا وما نفعله بها.
أشباحنا الثلاثة هم الفوتون (Photon) ، النيوترينو  (Neutrino) ، والتاكيون (Tachyon).

إن كان لك من معرفتهم نصيب، ستعرف حتما لم اخترت هؤلاء الثلاثة بالذات، فكلهم ذوو علاقة بالضوء مباشرة أو غير مباشرة.
لم كل تلك المقدمات؟! لنبدأ الرحلة فورا .....

الشبح الأول: الفوتون(Photon)
أينشتين أبو الفوتون الحنون:
في عام 1877 وقبل أن يولد أينشتين بـ 12 سنة لاحظ العالم هينريك هيرتز ما يسمى بظاهرة التأثير الكهروضوئي، هي ظاهرة انبعاث الإلكترونات من سطح المادة وتحررها عند سقوط إشعاع كهرومغناطيسي ذو تردد معين عليها.[i]
بعد هذه العام واجه العلماء بعض المشكلات في تفسير هذه الظاهرة.وكانت المشكلة الأبرز  هي أن الضوء كان من المعتقد في وقتها أنه عبارة عن موجات فقط. وعلى حسب النظرة الكلاسيكية فمن المفترض أنه عندما تزداد شدة الإضاءة على المعدن، فإن الإلكترونات ستنطلق بطاقة حركة أكبر. لكن التجارب أثبتت أن هذا لا يحدث فعليا، فطاقة حركة الإلكترونات لا تعتمد على شدة الموجة الساقطة! ولكن تعتمد على التردد. وليس هذا فحسب، بل إن الإلكترونات لا تنطلق من سطح المعدن إلا إذا كان هناك تردد معين للضوء الساقط، وليس أقل منه.

ملحوظة: كان هناك عدد من المشاكل في التفسير الكلاسيكي لظاهرة التأثير الكهرو ضوئي، ولكن آثرنا أن نناقش أسهلها للفهم وأشهرها.

(ملحوظة: التردد هو عدد الموجات المسافرة في الثانية الواحدة، وتقاس بوحدة الهرتز).

في عام 1905، وعندما كان عمره 26 عاما، جاء أينشتين بتفسير لنظاهرة التأثير الكهروضوئي (والتي حاز بها جائزة نوبل، وليس على نظريته النسبية كما يعتقد البعض). وقال فيها أن الضوء عبارة عن كمّات من الطاقة quanta ،عندما تسقط على سطح المعدن فإن كل منها يستطيع إطلاق إلكترون وتحريره من السطح إذا كان يملك الطاقة الكافية.[ii] وأطلق على هذه الكمات بعد ذلك اسم "فوتونات" (Photons). والذي أطلق عليها ذلك الاسم كان العالم جيلبرت لويس (Gilbert Luis) عام 1926.[iii]

وكيف حل هذا المشكلة؟
أولا عند زيادة شدة الإضاءة فهذا يعني زيادة عدد الفوتونات الساقطة، و هذا لا يعني أن تزداد طاقة حركة الإلكترونات، لأنه حتى لو كان هناك عدد كبير جدا من الفوتونات تسقط على سطح المعدن ولكنها لا تملك طاقة كافية فلن تستطيع تحرير الإلكترون وإطلاقه من السطح مهما زاد عددها! وهذا يفسر أيضا لماذا يجب أن يكون للتردد قيمة معينة قبل أن يبدأ في إطلاق الالكترونات من سطح المعدن، وذلك لأن الطاقة تعتمد على التردد . فإذا لم يكن لدينا تردد كافي لانتاج طاقة كافية، فلن يتحرر الإلكترون.

Einestein paper

صورة لجزء من الورقة العلمية التي تقدم بها أينشتاين في عام 1905 والتي تفسر ظاهرة التأثير الكهروضوئي[iv]

هكذا اكتشفت الفوتونات، ومنذ ذلك الحين أُجريت التجارب لمعرفة طبيعة تلك الجسيمات وكيفية تصرفها ومحاولة توقع هذه التصرفات.

ولنكون منصفين، فقد كانت هناك بعض الأفكار منذ القدم تعتبر الضوء عبارة عن جسيمات صغيرة، وإن كان أغلبها أفكار تأملية، أو لا يوجد عليها من الدلائل الكافي أو القاطع. ومن أمثلة أصحاب تلك الأفكار كان الحسن ابن الهيثم الذي قال في كتابه المناظر، عام 1021 ميلادية، أن الضوء عبارة عن سيل من جسيمات صغيرة جدا.

كان نيوتن كذلك يرى أن الضوء عبارة عن جسيمات صغيرة جدا، وتقريبا منذ عصر نيوتن بدأت الجدية في قبول تلك الفكرة تتصاعد رويدا رويدا حتى كانت النظرية الجسيمية للضوء هي المقبولة لدى أغلب الوسط العلمي. حتى أن بعض التجارب التي أجريت بعد ذلك لإثبات أن الضوء عبارة عن موجات كانت تُرفض تماما! فمن ذا الذي يعارض نيوتن؟! ومن أشهر المعارضين توماس يونج (Thomas Young)  صاحب تجربة الشق المزدوج الشهيرة. (راجع مقال كابوس الكلاسيكية الجزء الأول، في العدد العاشر من مجلة علم وخيال، جزئيتي "الطبيعة المزدوجة" و "تجربة الشق المزدوج")

إلى أن جاء ماكسويل (Maxwell) وأثبت طبيعة الضوء الموجية، فاستمرت نظريته سائدة حتى جاء أينشتين وقال بوجود الفوتونات.

إذا، ما هو الفوتون؟

الفوتون هو جسيم أولي Elementary Particle  (والجسيم الأولي هو الجسيم الذي لا يتكون من جسيمات أصغر)  ليس له كتلة (كتلة صفرية). يسافر بسرعة الضوء التي تبلغ 2.998*810 متر/ثانية. وهو متعادل الشحنة.

وبمناسبة الكتلة الصفرية التي يمتلكها الفوتون، فهذه الكتلة تحديدا هي ما يمكنه من السير بتلك السرعة المهولة. إذ أنه بحسب نظرية النسبية الخاصة لا يستطيع أي جسم أن يسير بسرعة الضوء إلا إذا كانت كتلته مساوية للصفر!

الشبح الثاني: النيوترينو (Nutrino)

ارتبط اسم النيوترينو مؤخرا ببعض الجدل الذي دار في الأوساط العلمية حول تخطية سرعة الضوء، مما سبب لغطا حول صحة نظرية النسبية الخاصة التي قالت، كما ذكرنا، باستحالة وصول أي جسيم لسرعة الضوء. إلا إذا كان ذا كتلة صفرية.

ما هو النيوترينو؟
جسيم أولي متعادل الشحنة (مثل النيوترون)، كانت يعتقد أن كتلته صفرية حتى العام 1998 ، فقد أُعلن ساعتها أن كتلته صغيرة جدا (أخف من الإلكترونات بحوالي 4 مليون مرة) لكنها غير صفرية وهذا ما سبب لغطا كما سنبين فيما بعد. واكتسب النيوترينو اسمه بواسطة العالم إنريكو فيرمي (Enrico Fermi) ، وأصل الكلمة إيطالي وتعني "نيوترون".

ينتج النيوترينو من تحلل ذرات بعض النظائر المشعة. ولأن الشمس تعتبر مفاعل نووي ضخم، فهي تعتبر من مصادر جسيمات النيوترينو التي تأتينا من الفضاء. كذلك فالانفجارات الكونية الكبيرة (supernova) تعتبر كذلك من مصادر تلكم الجسيمات، ويطلق الانفجار ما يقارب 5710 نيوترينو بمجرد حدوثه.

النيوترينو لا يتفاعل تقريبا مع المادة لذلك فحتى لو أطلقت واحد منها خلال قطعة من الرصاص طولها سنة ضوئية، فهناك احتمال بمقدار 50% فقط أن تُعاق، قارن ذلك بالفوتونات التي يمكن لورقة أن توقفها تماما![v] ويتضح هذا أيضا في المدة التي يأخذها كل من الفوتون والنيوترينو في الوصول لسطح الشمس من قلبها.

فكل من الفوتونات والنيوترونات تتكون في قلب الشمس، ولكن الفوتونات تأخذ مئات الآلاف من السنين حتى تصل لسطحها، بينما يقطع النيوترينو نفس الرحلة في ثانيتين فقط! والصورة التالية توضح تلك المقارنة.[vi]

nutrino_sun
وللنيوترينو ثلاثة أنواع على حسب الجسيم المرتبط معه : نيوترينو الإلكترون (ne) ، نيوترينو التاو (nt) ، ونيوترينو الميون (nm).[vii]

 Elementary particles 
الأنواع الثلاثة للنيوترينو حسب وجودها في النظام العياري للجسيمات الأولية[viii]

هل جسيم النيوترينو أسرع من الضوء؟
منذ أشهر مضت، خرج علينا خبر مفاده أن مجموعة من العلماء اكتشفوا أن جسيمات النيوترينو أسرع من الضوء، وذلك بإرسالهم لحزمة من هذه الجسيمات عبر القشرة الأرضية من سويسرا لإيطاليا وذلك لمسافة 730 كم، ووجدوا أن جسيمات النيوترينو وصلت قبل الضوء بحوالي 20 جزء من المليون. ما يعني أن سرعة النيوترينو بلغت 299,798,454 م/ث بينما سرعة الضوء تبلغ 299,792,458 م/ث.[ix]
وهذه النتيجة- إن صحت- تُخطّئ مبدأ من مبادي نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين، حيث الضوء فيها هو أسرع شئ. ولهذا السبب بالذات كان صدى الخبر واسعا في الأوساط العلمية.
ولكن للأسف، خرج علينا مدير الفريق الذي قام بالتجربة معلنا خطأ نتائجها المثيرة.
كانت الأخطاء بسبب مشكلات في الألياف البصرية (Optical fibers) التي استخدمت في التواصل، بالإضافة لبعض المشكلات الأخرى التي أدت بهم لهذه النتيجة.[x]
ويظل الضوء متربعا على عرش الكون بسرعته، ويظل أينشتاين محقا بشأن هذا الضوء. وسيظل العلماء يحاولون إثبات خطأ نظريته.

الشبح الثالث: التاكيون (Tachyon) [xi]
شبحنا الثالث ليس جسيما حقيقيا –حتى الآن- وإنما هو جسيم افتراضي يسافر أسرع من الضوء! وقد أتت تسميته من الكلمة الإغريقية "ταχύς" أو "تاكيس" ويعني صغيرٌ وسريع جداً.[xii]

إذا كيف يمكن افتراض وجود جسيما يسافر أسرع من الضوء، ونحن الذين أنكرنا ذلك من دقائق؟!
سنضطر لتوضيح هذه النقطة إلى أن نستخدم القليل جدا من الرياضيات. ولكن لا تفزع إن كنت من كارهيها، معادلة واحدة سنستخدمها لن تحتاج مستوى رياضي أبعد من الصف الثالث الإعدادي.
افرزت نظرية النسبية الخاصة معادلة تبين زيادة كتلة الجسيم إذا ازدادت سرعته، والمعادلة كالآتي:

m-v-relation

حيث (MO) هي الكتلة السكونية للجسم، أي كتلة الجسم عندما كان ساكنا، و (MV) كتلة الجسم عندما كان متحركا بسرعة (V)،أما (C)  فهي سرعة الضوء، وهي ثابت بطبيعة الحال.

الآن، إذا زادت السرعة (V)، سيقل قيمة المقام، ويزداد تبعا لذلك الكتلة (MV). حتى إذا وصلنا لسرعة الضوء (C) سيصبح المقام صفرا، وتصبح (MV) بما لا نهاية، وهذا يحتاج منّا لطاقة لانهائية، وهو ما يوضح سبب استحالة الوصول لسرعة الضوء.
أما إذا زادت السرعة عن سرعة الضوء، سيصبح ما تحت الجذر في المقام عددا سالبا، والجذر التربيعي لأي عدد سالب هو عدد تخيلي، أي أن الكتلة ستصبح كتلة تخيلية غير حقيقية!
إذا ما الذي سيجعل التاكيون ذا سرعة أعلى من سرعة الضوء؟

التاكيون سينتقل دائما بسرعة أعلى من الضوء وبالتالي لن يمر بمرحلة سرعة الضوء، وكتلة سكونه ستكون تخيلية، بحيث إذا استخدمنا المعادلة التي ذكرناها، ووضعنا في بسط الطرف الأيمن عدد تخيلي، وكان المقام عددا تخيليا أيضا (لأن السرعة هنا زادت عن سرعة الضوء)، ستصبح الكتلة (MV) كتلة حقيقية. ومعنى أن كتلة سكونه تخيلية، أنه لا يوجد أساسا في حالة سكون.
المفارقة هنا، لو صح وجود هذه الجسيمات المفترضة، وتم استخدامها لنقل المعلومات يمكن أن تسبب في كثير من اللبس بشأن سبق المعلول للعلة.

لنوضح بمثال: عندنا نقطة (أ) ترسل إشارة لـ (ب) بواسطة تلك التاكيونات التي سرعتها تزيد عن سرعة الضوء. كذلك عندنا راصد خارجي وليكن سفينة فضاء، سيستنتج راكبو تلك السفينة أن الإشارة وصلت (ب) قبل أن تنطلق من (أ)!! وذلك لأن رؤيتهم لرد فعل النقطة (ب) على إرسال الإشارة إنما سيكون بالضوء الذي تقل سرعته عن سرعة التاكيونات.
خاصية أخرى غريبة ستنتج عن وجود التاكيونات، وهي أنه لو كان موجودا بالفعل، ولأنه يتحرك بسرعة أعلى من سرعة الضوء فإننا لن نراه حال اقترابه منا. ولكن بعد أن يمر التكيون بالقرب منا، فسوف نرى صورتين له، واحدة تأتي والأخرى تذهب باتجاهين متعاكسين!!!

تُرى هل سنستطيع إيجاد هذا الشبح الغريب يوما ما!!
ربما ستلاحظون أني لم أُسهب كثيرا في الحديث عن الخواص القياسية لتلك الأشباح العجيبة، بينما ركزت على خواصها الغريبة والتي بالفعل هي ما جعلنا نطلق عليها "أشباح" دون ذرية.

sources
i Photoelectric Effect - http://physics.info/photoelectric
ii Photoelectric Effect - http://m.everythingscience.co.za/grade-12/16-optical-phenomena-and-properties-of-matter/16-optical-phenomena-and-properties-of-matter-03.cnxmlplus
iii What is Photon - http://physics.about.com/od/lightoptics/f/photon.htm
iv Image Source: Einstein, Albert (1905). "Über einen die Erzeugung und Verwandlung des Lichtes betreffenden heuristischen Gesichtspunkt". Annalen der Physik 17 (6): 132–148. Download from here OR Download English translation
v Neutrino - http://www.coolsciencefacts.com/2006/neutrinos.html
vi Neutrino Fun Facts - http://scienceblogs.com/startswithabang/2011/09/30/neutrino-fun-facts
vii What is Neutrino - http://www.ps.uci.edu/~superk/neutrino.html
viii Image Source - http://scienceblogs.com/startswithabang/2011/09/30/neutrino-fun-facts
ix-  Faster Than light.. - http://www.theguardian.com/science/2011/sep/22/faster-than-light-particles-neutrinos
x Neutrino is not faster than light - http://io9.com/5917018/its-official-neutrinos-cant-go-faster-than-the-speed-of-light-after-all
[xi] يمكنك الاستزادة في موضوع التاكيونات بقراءة كتاب "فكرة الزمن عبر التاريخ" لمجموعة مؤلفين، سلسلة عالم المعرفة، فصل "الزمان المتحول"

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟