طوابير النمل، العصافير المتشاكسة، والناملوس! (قصة قصيرة)

الميزة الوحيدة تقريبا في كونك جنديا هي وقت الفراغ الذي تفسحه لك الخدمات. فبعيدا عن أنه من المفترض أن تكون متيقظا لأي حركة غريبة أو فعل مريب حول محل خدمتك، فمن الطبيعي والبديهي أن تشرد بعقلك في تلك الفترة متأملا ومفكرا في شئ ما. لدرجة أنك مع نهاية الخدمة وعندما يعود لك عقلك الشارد، ستصب أطنانا من السخرية على نفسك وعلى تفكيرك الذي وصل بك لهذه الدرجة.
***

جلس صاحبنا ، بعد أن جاء موعد غفرته، أمام محل خدمته وفي يده سلاحه العتيق، ومازالت هناك بقايا من النوم تداعب عينيه. يساعد تلك البقايا في نشر نفوذها ذلك الصمت المطبق الذي سيطر على كل شئ تقريبا .. فلا حركة ولا صوت. وكأنه جالس في مدينة من تلك المدن التي فتك بأهلها أحد الأمراض، كما نرى في بعض الأفلام. لا ينقصنا ها هنا إلا بعض الجثث الملقاة هنا وهناك حتى تكتمل الصورة.
وفي محاولة لمقاومة ذلك "الاستعمار النومي" ، يبدأ صاحبنا بإتيان بعض الحركات الرياضية التي ربما أفاقته نوعا ما.
وعلى حاله بقى حوالي نصف ساعة حتى كلّ من تلكم الحركات وملّ، فجلس مرة أخرى بعد أن أدت الحركة المهمة المنوطة بها، ألا وهي طرد جيوش ذلك الاستعمار النومي بعيدا عن أسوار حصون عينيه.

بدأ العقل، مستغلا هو الآخر سكون المقابر ذلك، في أخذ صاحبنا إلى مجاهيل التفكير العميق، فأضحى يضفي على كل شئ يراه فلسفة، وبعدا أعمق مما تبدو عليه.
خطف بصره طابور من النمل يمشي متجها نحو هدف لا يعرفه .. فتعجب من تلك الطريقة المنظمة التي يمشي بها النمل. وبالرغم من أنه قد رأى ذلك المنظر من قبل عشرات المرات، إلا إن أفساح المجال لعقلك بالتفكير بعد الرؤية هو أمر مختلف تماما..
"ما هذا الذي يحدث؟؟" حدث نفسه .. تلك النملة بالذات لها سلوك شاذ عن المجموعة في طريقة سيرها .. "تبا" لقد خرجت عن الصف تماما، بل وسارت بعكس الاتجاه..
"يا نملة يا بنت الـــ....".

سار ببصره معها وهي مبتعدة حتى أوشكت على الاختفاء في التراب .. وقبل أن تختفي تماما، سلّمه عقله لعصفورين متشاكسين يتصارعان بمنقاريهما على قطعة من الخبز الجاف، فوصلت به الإثارة مبلغها منتظرا فوز أحدهما بتلك الغنيمة.. حتى وإن فاز ذلك الذي لم يكن يود أن يفوز، اعترته حالة من الغضب عززتها نظرة سريعة من ذلك العصفور الفائز له، وكأنه كان يعلم أنه لم تكن يتمنى فوزه، فودّ لو أخرج له لسانه، سخرية من اختياره الخاطئ في تشجيع خصمه.
يختفي هو الآخر في زرقة السماء اللامتناهية تاركا صاحبنا في حالة يرثى لها.
اتجه المسكين مرهق العقل لـ "شنطته" مرددا في عقله : "هذا هو وقت القراءة"..
وقبل أن يدخل يده فيها، رأى صرصورا يتبختر بجوارها .. كان صرصورا لم ير له مثيلا من قبل، بل أنه من الأساس لم يكن متأكدا من كونه صرصور. فما أن شعر ذلك الصرصور بوجوده، حتى توقف عن الحركة تماما و"عمل نفسه ميت"..
ابتسم ابتسامة خرقاء امتدت إلى هيستيريا من الضحك لا يعرف لها سببا.
وإذ بناموسة فاق حجمها الوصف قد لدغته مخرجة إياه من هستيريته الغير مبررة و تاركةً إياه في بحر من الألفاظ الخادشة للحياء والتي يصعب قولها هنا!
وبعد أن أفاق من تلك اللدغة، أخذ يفكر في ذلك الحجم المهول لتلكم الناموسة الوحشية .. لابد انه نوع هجين من النمل والناموس "نملوس" كما أطلق عليه!
تنهد تنهيدة الارتياح وحمد الله أنه لم يقع بين براثن هجين الناموس والصرصور التي ربما حملته من مكانه وألقت به في مقلب القمامة المجاور.
"لقد انتهت ساعات الخدمة الأربع" .... "أخيرا" ... سلم سلاحه لمن حان وقت خدمته. وعاد لرشده بعد أن ضل منه في صحراء ليس بها معالم يُستدل بها... واستدعى هو شخصيا جيوش النوم التي كان قد طردها منذ أربع ساعات، مُرَحِبا بغزوها لعينه، ومحتفيا باستعمارها لكيانه.

ياسر أبوالحسب،2014

تعليقات

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

النسخة العربية من كتاب: لماذا؟