المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2014

الكوانتم .. كابوس الكلاسيكية ..مزيد من الجنون!

quantum3


من لا يُصدم عندما يتعلم ميكانيكا الكم لأول مرة، فهو لم يفهمها – نيلز بور
انتهت أعاجيب الصراع بين فريقي أينشتين والكوبنهاجيين في المقال السابق على "مفارقة أ.ب.ر" (ERP Paradox) التي حاولت إثبات خطا مبدأ عدم التأكد لهايزنبرج في الأساس، وكذلك إثبات خطأ قول "بور" بعدم وجود قيمة محددة للخواص الكوانتية قبل قياسها.

الصواب بجانب من؟

أقام العلماء العديد من التجارب بعد أن قام أينشتاين ورفاقة بطرح النشرة بوقت ليس بالقليل، وذلك لعدم وجود تكنولوجيا قادرة على القيام بالتجربة في الوقت الذي طرحت فيه، وذلك لمحاولة إثبات أو نفي صحة ما قاله أينشتاين بخصوص أن وصف ميكانيكا الكم غير كامل.

وربما كانت أكثر التجارب شهرة في هذا المضمار، تجربة العالم الفرنسي "ألان أسبكت" (Alain Aspect) في العام 1982.
(أنصحك قبل قراءة الفقرة التالية أن تعود لمقال "صراع العمالقة، مجلة علم وخيال، العدد الحادي عشر، فيما يخص مفارقة أ.ب.ر)

bohr eines 
تمثال من الألومنيوم لبور وأينشتاين! 

ببساطة، أثبت "أسبكت" - ورفاقه-  أننا إذا حاولنا قياس خاصية كمومية لفوتون من الفوتونين المتشابكين (أو إلكترونين)، فإن الفوتون الآخر سيعلم بطريقة ما أننا نقيس خاصية لصديقه، وسيقوم بتغيير خاصية من خصائصة كي لا نستطيع قياس خاصيتين كموميتين في نفس الوقت. ولا يهم إذا كان التباعد بين الفوتونين هو سنوات ضوئية، وحتى لو كان أحد الفوتونين على طرف الكون، والفوتون الآخر على طرف الكون الآخر، فإن التواصل سيتم بينهما بحيث لن نستطيع أن نصل لمبتغانا بقياس خاصيتين كموميتين في نفس الوقت.[ii]

جنون .. أليس كذلك؟!

كان للتجربة صدى واسع في الأوساط الفيزيائية، خصوصا أنها تتعارض بشكل ما مع ما قالته النسبية بخصوص أنه لا يوجد أي شئ في الكون يستطيع أن يسبق الضوء في سرعته، ونحن هنا نرى أن التواصل بين الفوتونين أسرع من الضوء.
التفسير لهذا السلوك من الفوتونات لا زال مجهولا، وكيفية التواصل بين الفوتونين المتشابكين لازالت محل جدال، حتى أن البعض يرى أن الفوتوتنين تسير الإشارة بينهما في مختصر مكاني بحيث أنها تتخذ طريقا مختصرا للتواصل، وهو ما يسمى بطي الفضاء (Space wrap).
وهكذا، فلم يكن أينشتاين محقا هذه المرة بانتقاده "ميكانيكا الكوانتم". وهو ما لم نعتده منه!
وفي سياق التشابك الكمومي ونقل المعلومات، أذكر لكم تجربة قام بها مجموعة من العلماء الصينيين في العام 2010، وهي استخدام خاصية التشابك الكمومي بين فوتونين، في نقل المعلومات لحظيا بين نقطتين على بعد 16 كيلومتر.
 وربما يستخدم هذا النوع من التواصل مستقبلا بين الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية.[iii]

entanglement 
صورة لخريطة توضح المسافة التي باعدت بين الفوتونين المتشابكين

النفق الكمومي (Quantum Tunneling)

ومازالنا لم ننتهي من الجنون بعد!
ذكرنا مسبقا (المقال الاول من السلسلة) أن الفوتون (أو الجسيمات التي تخضع لميكانيكا الكوانتم بوجه عام) يمكنها التواجد في أكثر من مكان في نفس الوقت، وأعتقد أنك لم تعد مستغربا لذكر هذه الحقيقة هنا.
ولكن .. (يقول أحدهم أنك إذا سمعت كلمة "ولكن" في الحديث فخذ ما يسبقها وارمه في البحر، فليس له فائدة!).
ولكن لو كان هناك حاجز ما وجسيم مثل الفوتون، وكلاهما يخضعان لقوانين ميكانيكا الكم، وباستخدام خاصية التواجد في أكثر من مكان في نفس الوقت، هل يكون الفوتون قبل الحاجز أم بعده؟
أسمعك تقول أنه سيكون قبله وبعده في نفس الوقت!
نعم، إجابة موفقة .. ولننظر إلى الموضوع بطريقة أعمق.
في الميكانيكا الكلاسيكية إذا أردت أن تتخطى أي حاجز، فلابد أن يكون لك طاقة لتستطيع فعل ذلك. فهب أنك أمام جبل ما، وتريد أن ترفع كرة لتمر من فوقه وتنزل بالجانب الآخر من الجبل.
كلاسيكيا، لن تمر الكرة للجانب الآخر إلا إذا ركلتها بقوة مناسبة تجعلها ترتفع وتهبط بالجانب الآخر. أما على مستوى ميكانيكا الكوانتم، فلن تحتاج لمثل هذه الطاقة لعبور الحواجز. فالكرة موجودة على الجانب الآخر حتى من قبل أن تركلها! وهذا ما يسمى بـ "النفق الكمومي" (Quantum Tunneling).
وتولدت الفكرة من تفسير "ماكس بورن" لمعادلة "شرودنجر" (يمكنك الرجوع للمقال الأول من السلسلة)، والتي انبثقت عنها الاحتمالية الطاغية على عالم "ميكانيكا الكوانتم". وجدير بالذكر هنا – بدون الدخول في أية تفاصيل رياضية- أن احتمالية أن يتواجد الجسيم على الجانب الآخر من الحاجز تزداد بزيادة سمك الحاجز، أو بزيادة كتلة الجسيم.[iv]
الآن لنتعرف على بعض التطبيقات العلمية على هذه الظاهرة العجيبة.



من أشهر التطبيقات بالنسبة للنفق الكمومي ما يسمى ب"مجهر المسح النفقي" (scanning tunneling microscope) ويعرف اختصارا بـ STM ، ويمكنه حتى رؤية الذرات وبتقنية ثلاثية الأبعاد!. وهو يستخدم "النفق الكمومي" بالإضافة لتقنيات أخرى ليستطيع توليد هذه الصورة الثلاثية الأبعاد لشئ صغير جدا مثل الذرة. واخترع هذا الميكروسكوب في عام 1981 على يد عالمين من ألمانيا وسويسرا، وهما على الترتيب جيرد بينيج (Gerd Binnig) وهنريك روهر (Heinrich Rohrer). وفاز العالمان عن اختراعهما بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1986.
Roher-B 
مخترعا ال STM .. على اليمين "روهر" وعلى اليسار "بينيج"

إذا، كيف يعمل هذا المجهر الخارق؟

يتكون  هذا المجهر من رأس صغيرة حادة وموصلة للكهرباء (وهي أداة المسح). وجهاز كمبيوتر للتحكم في النظام ككل ولتحليل البيانات (تجميع البيانات ومعالجتها ثم عرضها).

يتم توصيل تيار كهربي للرأس الحاد، وأثناء ذلك يتم فحص العينة بتحريك هذه الرأس على سطح العينة (عينة موصلة للكهرباء). وعندما يواجه الرأس ذرة في السطح، يتغير تدفق الإلكترونات بين هذه الذرة والرأس الحاد. وذلك بسبب ظاهرة النفق الكمومي حيث تنتقل الإلكترونات من وإلى العينة بواسطة الرأس الحاد،حيث أن المسافة الفاصلة بين الرأس الحاد وسطح العينة تمثل الحاجز الذي ينشأ خلاله النفق الكمومي.
وبعد ذلك يسجل الكمبيوتر هذا التغير في التيار ويسجل كذلك موقع الذرة كإحداثي (س،ص)، على سطح العينة، ويسجل التيار بالنسبة لكل نقطة. يقوم الكمبيوتر بجمع هذه المعلومات، ويرسم خريطة للتيار على السطح، وهذا التيار يمثل مواقع الذرات على سطح العينة.
والصورة التالية توضح رسما مبسطا لطريقة العمل[v]:

SEM

بالطبع ،وكما ذكرنا، يمكن لهذا المجهر أن يستخدم لرؤية الذرات. بل ويستطيع أيضا يتحكم في أماكن الذرات، كما فعلت شركة IBM ورسمت شعارها مستخدمة ذرات، ويظهر ذلك في الصورة التالية:[vi]

SEM-IBM 
يمكن للـرأس الحاد الـ STM أن يحرك الذرات من مكانها، ويصنع أشكال وأنماط على سطح العينة
Photo courtesy NIST Photo source: IBM's Almaden Research Labs

إذا، فلماذا إذا لا نلاحظ هذه الظواهر الكوانتمية المذهلة في حياتنا العادية؟ أي لماذا لا تنطبق قوانين الإحتمالات هذه على البشر مثلا؟ لماذا يستطيع الفوتون التواجد في أكثر من مكان وأنا لا؟ (ما هذه العنصرية)؟

للإجابة على هذا السؤال، أولا يجب أن تتخيل النسبة بين كتلة جسمك وكتلة الفوتون. ثانيا، تعمل الظواهر الكوانتمية فقط عن الأجسام الصغيرة جدا كالإلكترونات والفوتونات وما شابه.
ومع هذا، فلا تقلق، فيقترح بعض الفيزيائيون تفسيرا، لا يجعل بينك وبين الفوتون فرقا، فأنتما يمكن أن تتواجدا في أكثر من مكان في نفس الوقت، وهو "تفسير العوالم المتوازية"(Many-Worlds interpretation)، فعندما تقع أمام خيارين وتضطر إلى أن تختار أحدهما، فأنت على حسب هذا التفسير، لا تختار أحدهما، بل تختار الخيارين معا! وما يحدث هو أنك تنقسم لنسختين، كل منهما يذهب لعالم مختلف عن الآخر، وبالتالي فلدينا هنا عدد مهول من العوالم تتكون مع كل الخيارات التي تم المفاضلة بينها![vii]

التطبيقات العملية
وإن كنت تعتقد أنه ولطالما كانت النظرية غير مفسرة كليا في جميع جوانبها، فإن تطبيقاتها العملية معدومة، فراجع نفسك!
فلا تنس أنك منذ لحظات قرأت عن "المجهر النفقي" كتطبيق عملي للنظرية. ومع ذلك فهناك الكثير والكثير من التطبيقات العملية للنظرية، سأسرد لكم بعضها.
  • الترانزستور
ربما هو التطبيق الأهم من بين تطبيقات النظرية، ففي عام 1935، استطاع العالم "يوجين فيجنر" (Eugene Wigner) وطالبه "فريدريك فيتز" (Frederick Seitz) أن يتلاعبا بخصائص أشباه الموصلات مستخدمين اكتشافات ميكانيكا الكوانتم. وكان هذا التلاعب هو أساس عمل الترانزيستورات، حيث تم في عام 1954 بناء أول حاسب يعتمد على الترانزيستور.
فبينما كانت الحاسبات التي تعتمد على الصمامات قد يشغل الواحد منها طابق كامل، أصبحت الحاسبات لا تتعدى الكيلوجرامات في وزنها![viii]
COM صورة لكمبيوتر كان يستخدم الصمامات (ملحوظة: لم يكن الكمبيوتر قد أخذ اسمه بعد) .. تخيل الحجم!![ix]

  • التشفير الكوانتي
يعتبر التشفير الكوانتي من التطبيقات الهامة أيضا والتي أفرزتها الكوانتم، حيث تستخدم خاصية تغير حالة النظام الكوانتي عند القياس.
فالفوتون مثلا له اتجاه دوران مغزلي، يتم تحويل هذا الاتجاه لكود ثنائي، مثلا لو كان دورانه رأسي نرمز له بالرمز 0، ولو كان أفقي نرمز له بالرمز 1، وهكذا حتى نكون شفرة ثنائية على نمط 0110101010010، والتي يتم تحويلها فيما بعد لكلام مفهوم. انظر الصورة الآتية والتي توضح الموضوع بشكل رسومي جميل[x]:

Enc
  • التوليد العشوائي للأرقام
إذا كنت مبرمجا، ستعلم حتما آلية توليد الأرقام العشوائية في أي برنامج تود عمله. فتوليد الأرقام العشوائية يعتمد على عدة اساليب مثل الوقت أو استخدام روزنامة التاريخ في الكمبيوتر، أو اعتمادا على خوارزميات لتوليد تلك الأرقام. ما يعني أن الرقم العشوائي الناتج ليس عشوائيا، بل هو نتيجة لعدة متغيرات ولدته. حتى النرد التي يظن الجميع أنها تجعلنا نحصل على رقم عشوائي. فلو علمنا قوة إلقاءها وسرعة الإلقاء والاحتكاك مع الهواء وجميع المتغيرات التي تؤثر على حركتها، لاستطعنا بشكل كبير أن نتنبأ بالرقم الذي ستعطينا إياه.
أما في عالم ميكانيكا الكوانتم، فالفوتونات تتصرف بطريقة لا يمكن تنبؤها.
استخدم العلماء فوتونات تهتز كموميا، وحولوا هذه الإهتزازات (العشوائية تماما)، إلى أرقام عشوائية هي الأخرى![xi]
  • النباتات وميكانيكا الكوانتم!
لطالما أذهل العلماء الكفاءة التي يحول بها النبات الطاقة الضوئية لطاقة كيميائية في عملية البناء الضوئي، فالنباتات تحولها بكفاءة تبلغ 95%، وهي نسبة عالية جدا.
إذا ماذا يفعل النبات ليصل لهذه النسبة؟
عندما تمتص النباتات الفوتونات القادمة من الشمس فإن أمامها طريق لتسلكه ليتم التفاعل بسلام. إذا .. كيف سيختار الفوتون الطريق المختصر والأسرع؟
علمنا مسبقا أن الفوتون يمكن له التواجد في أكثر من مكان في نفس الوقت،  وهذا هو ما يفعله في حالتنا تلك، حيث يسير من كل الطرق المتاحة في نفس الوقت، حتى يصل لمبتغاه في النهايه! ويتم التفاعل بأسرع وقت ممكن (حوالي جزء من مليون جزء من الثانية)!![xii]

عجيب هو ذلك العالم الكوانتمي الذي تبارى في شرحه وتفسيره عظام العقول في القرن العشرين. وما زلنا حتى هذه اللحظة لم نستطع تفسير جميع الظواهر الكوانتية التي لم يتسع المجال في هذا المقال سوى لذكر جانب ضئيل جدا من ابعاد تلك النظرية.
لقد تمادى العقل البشري في الإبداع، حتى وصل لحد يجعلنا دائما نتساءل، إلى أي حد يمكن أن تبلغ البشرية؟ وهل سيظل المتأخرون - أمثالنا- رانحون تحت ذل التفكير في نظريات المؤامرة التي تنهال علينا من كل مكان؟ هل في يوم ما سيكتب أحد أحفاد الغرب مقال - كما أفعل أنا- يشرح فيه نظريات علمية عربية قلبت مفاهيم وغيرت قوانين؟
ونختم هنا بمقولة العالم الحاصل على جائزة نوبل د/ أحمد زويل "كنت أتصور أنه لا أحد يعرف في ميكانيكا الكوانتم اكثر مني. ثم أكتشفت أنني لا أعرف الآن ما هي ميكانيكا الكوانتم".[xiii]

sourcesi- Source: Aluminum sculpture of Albert Einstein and Niels Bohr by B.C. Lemport
ii- The Basic Fundamental Law of Nature- http://bpramana.tripod.com/uut03.htm
iii- Quantum teleportation achieved over 16 km - http://phys.org/news193551675.html
iv- What is quantum tunneling - http://www.chm.bris.ac.uk/webprojects2000/plewis/Whatis.html
vi- Freudenrich, Ph.D., Craig.  "How Atoms Work"  01 February 2001.  HowStuffWorks.com. <http://science.howstuffworks.com/atom.htm>  28 June 2013
vii- The Universe Season 7 - Quantum Physics _ Microscopic Universe S07E05
xiii- حوار أجرى مع الدكتور أحمد زويل في برنامج العاشرة مساءا بتاريخ 2-2-2010


Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مؤامرة المقررات الدراسية... مراجعة كتاب "موجز تاريخ كل شيء تقريبًا"، بيل برايسون