صناعة الخرافة ... الانفصام العلمي ونظرية المؤامرة

جل ما نحتاج .. التفكير بإنصاف 

دائما ما كان الإسلام دين علم، ودائما ما حض على البحث والتأمل والتقصي، لدرجة أنه جعل التأمل عبادة، وغدا من يفعلها مأجورا. فقال سبحانه وتعالى "هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" والعلم هنا ليس خاصا بالشرائع والأحكام. وإنما هو كل إدراك يفيد الإنسان توفيقا في مهمته التي القيت على كاهله منذ قدر خلقه، وهي عمارة الأرض.[1]
ومن هذا المنطلق،اتجه أجدادنا وانتشروا في ربوع الأرض، طالبين للعلم، شغوفين بمعرفة الحقيقة. فنقلوا وترجموا ممن سبقوهم، ثم أضافو للعلم ما لا يستطيع أحد أن ينكر أثره حتى الان.

جهل أم تجاهل؟
لا يمكن لأي شخص قديم أو حديث العهد بالإنترنت إلا وأن لاحظ، وخصوصا على موقع التواصل الإجتماعي "فيس بوك"، الكثير والكثير من "الحقائق العلمية التي تثبت أن دين الإسلام حق" كما يسميها أصحابها، وسيتعجب -حتما- من هؤلاء ال"مشيّرين" بأعدادهم التي تتجاوز المئات وتصل للآلاف ،أحيانا، لصورة أو نص لا يمت للعلم بصلة من قريب أو من بعيد، فتجد أحدهم يقول " وكالة ناسا تثبت كذا وكذا" ، "والعالم الفلاني" يكتشف كذا.
فهذا ينشر صورة للقمر، ويقول أن وكالة ناسا اكتشفت شقا يقسم القمر نصفين، والآخر يعرض صورة لبرغوث. ويقول متحمسا أن هذا البرغوث هو كائن صغير يعيش فوق الذبابة. والثالث يقول أن هناك شعاعا يخرج من مكة متجها للسماء. والرابع يذهب بخياله بعيدا، ويقسم على من يرى صورة هذا الثعبان ذو الثلاثة رؤس ألا يخرج قبل أن يكتب "سبحان الله"، ولابد من مكافأة سخية لناشر الصورة وذلك بالضغط على زر الإعجاب، ومن يرد أن "يشيرها" فذلك فضلٌ ومنّة! .... ويظن بذلك أنه يخدم دينه ... والخامس ... والسادس... والسابع...
والأعجب من هذا وذاك، أن مثل هذه الصور والفيديوهات بدأت في الفترة الأخيرة تنتشر في الفضائيات التليفزيونية، مما يكسبها قاعدة أعرض من المشاهدين، وانتشارا[2] كالنار في الهشيم، مسببة فوضى علمية، وخرافات لا حصر لها.
وبعيدا عن المناقشة العلمية لكل ما ذكرت هنا، والتي ستثبت مما لا يدع مجالا للشك، أن كل من تلكم الصور ما هي إلا لي لعنق بعض الحقائق الطبيعية لتناسب هوانا الثقافي، وهراء لا يمت للعلم بصلة. وهذا يذكرنا تماما بتصنيف فرانسيس بيكون[3]للأوهام (أو الأصنام كما سماها) التي تتحكم في العقل البشري وذكر منها "أوهام الجنس والقبيلة"، والتي من أمثلتها محاولة إدخال أي مثال شارد في إطار قانون ما نرتبط به ذهنيا.

وبالعوده لموضوع النشر العشوائي هذا، فأنا أتسائل: هل حاول أحدهم أن يبحث عن مصدر هذه الصورة أو المعلومة، وما أسهل البحث في وقتنا هذا؟ أم أن تقديم معلومة قد تكون خاطئة، لا يهمنا بدرجة اهتمامنا بانتزاع الآهات والتكبيرات ممن يرى هذه الصورة، أو يقرأ تلك "الحقيقة"؟ ... وإذا سألت أحدهم: ما هو مصدرك؟ لقال لك "لقد وجدتها على "حائط" أحد الأصدقاء". ولو تماديت في مناقشتك له لربما أصبحت عابدا للغرب ، غير مؤمن بقرآنك، ولا متبع لسنة رسولك.

الانفصام العلمي ونظرية المؤامرة!
وستصل الإثارة إلى ذروتها عندما تجد أن بعضهم لا يؤمنون بالصعود على القمر. وعندما أقول لا يؤمن، فأنا أعني أن عدم إيمانه هذا نابع من معتقدات لا علاقة لها بالعلم.
بل وستجد كتب "علمية" تتحدث بالدلائل والبراهين عن أن الأرض لا تدور حول الشمس، ولكن وكالات الفضاء في جميع أنحاء العالم تآمرت وتكالبت واجتمعت على أن توصل لنا هذه المعلومات المضللة! وهنا تتجلى ظاهرة الإنفصام العلمي في أوضح صورها، فتجد أحدهم، والذي كان منذ قليل يتحدث عن اكتشاف ناسا لذلك الشق على القمر، هو نفسه من يتحدث عن كذب وكالة ناسا فيما يتعلق بصعودهم على القمر، وفيما يتعلق بدوران الأرض حول الشمس! فتجده يصدقها ويكذبها في نفس الوقت!
خلاصة القول يا سادة، إننا نصدق ما نريد أن نصدقه.

إن معرفة المشكلة هو نصف الحل كما يقال، وها نحن لا نريد الاعتراف أن هناك من يسبقنا علميا بسنوات ضوئية، وهذا الاعتراف هو البداية الحقيقية للنهضة من الغفوة العميقة التي نحن فيها الآن، وإلا ستظل أمتنا تعاني تحت قيود هذا الجهل الذي نصنعه نحن لها ... وسنظل هكذا في مؤخرة ركب الأمم. فلا كرامة بدون قوة، ولا قوة بدون علم.
_________________________________________
[1] مقال للإمام الشيخ محمود شلتوت في مجلة الأزهر، الإسلام دين العقل والعلم" ، ابريل 2014، ص 1134
[2]لا نقصد هنا بكل تأكيد إنكار معجزة شق القمر، ولكننا فقط نشير لاستشهاد البعض بأخبار مزيفة من وكالة ناسا عن ذلك الموضوع. فناسا أنكرت على موقعها على شبكة  الإنترنت حدوث انشقاق في القمر في يوم من الأيام. يمكنكم مراجعة هذا الرابط :http://lunarscience.arc.nasa.gov/browse-past-questions
فنحن نؤمن يقينا بحدوث الانشقاق، لكننا لسنا مع إدخال كل شاردة علمية ولوكانت خاطئة في إطار نص ديني تحت مسمى "الإعجاز العلمي"، فضرر ذلك أكثر من نفعه بكل تأكيد، خصوصا عندما يثبت خطأ الخبر المستشهد به.
[3]يمنى طريف الخولي- فلسفة العلم في القرن العشرين ، ص 70، عالم المعرفة العدد264


تعليقات

  1. مقال جميل جدا، أتمنى أن تنتهي هذه الأمة وتصحوا من أحلامها وتتفجر أخلاقيا و علميا مرة اخرى.

    ردحذف

إرسال تعليق

Popular Posts

من كل علم شيء... مراجعة «واحد.. إثنان.. ثلاثة.. لا نهاية».. جورج جاموف

مُترجَم: العلوم الإسلامية مهدت الطريق للاحتفال الألفي بالضوء

لماذا يجب أن يُدرّس كتاب “التفكير العلمي” في مراحل التعليم الأساسي؟